الباحة حين يلبس الوطن ثوب الفخر

✍️علياء الغامدي_كاتبة سعودية :
في الباحة،لا يأتي اليوم الوطني عابرًا في صفحات التقويم، ولا يمرّ كموعدٍ احتفاليّ تُضاء فيه الشوارع فحسب بل يجيء كموعدٍ مع الذاكرة،ومعنى الانتماء،وحكاية وطنٍ كُتبت فصولها بالعزم،ورويت بعرق الرجال،واستقرت في وجدان الأجيال.
هنا بين جبال السروات الشامخة تبدو الباحة وكأنها تستعد لأن تقول للوطن ما لا تكفيه الكلمات،تتوشّح الميادين بالأخضر،وتتعانق الأعلام مع نسائم الجبال،وتكتسي الواجهات بألوان المناسبة،فيما يعلو في القلوب شعورٌ لا يشبه الفرح العابر شعورٌ من الاعتزاز بأن لهذا الوطن حكايةً تستحق أن تُروى،ورايةً تستحق أن تُرفع عاليًا.
في هذه الأيام تتغير ملامح المكان دون أن يفقد هويته. فالطبيعة التي منحت الباحة سحرها،تبدو وكأنها تشارك أبناءها الاحتفاء الأشجار أكثر خضرة، والجبال أكثر رسوخًا، والسماء أكثر اتساعًا،وكأن المشهد كله يردد بصمته الجميل:هنا وطنٌ نحبّه وهنا أرضٌ نفخر بالانتماء إليها.
ويطلّ اليوم الوطني في الوجدان السعودي بوصفه استعادةً لمعنى الوحدة،وتذكيرًا بأن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات وحدها، وإنما بالعزيمة والعمل،وبقدرة الإنسان على أن يحوّل الصعاب إلى دروب،والأحلام إلى واقع،والتاريخ إلى مستقبل.
وفي الباحة لهذا المعنى مذاق خاص فالمكان الذي حفظ في جباله ووديانه ملامح التاريخ، يفتح اليوم نوافذه على مستقبل أكثر اتساعًا، وبين الماضي الذي يروي قصة التأسيس،والحاضر الذي يشهد حركة التنمية،والمستقبل الذي تُرسم ملامحه بثقة،تتجلى صورة الوطن بوصفه رحلةً مستمرة، لا تتوقف عند ذكرى،ولا تنتهي عند احتفال.
في الشوارع يلتقي الأخضر بالضوء،وتتعانق الرايات فوق الطرقات،وتظهر عبارات الاعتزاز في الواجهات والساحات. وفي البيوت تتردد الأغاني الوطنية،ويصنع الأطفال ذكرياتهم الأولى مع هذه المناسبة،بينما يستعيد الكبار صورًا من وطنٍ تغيّر كثيرًا لكنه ظلّ في جوهره عزيزًا، شامخًا، موحّدًا.
إن أجمل ما في الاحتفال باليوم الوطني أنه يعيد الإنسان إلى السؤال الأعمق:ماذا يعني أن يكون لنا وطن؟
الوطن ليس حدودًا مرسومة على خريطة،ولا اسمًا يُكتب في الوثائق،الوطن ذاكرةٌ تسكننا،وبيتٌ نحمل صورته أينما ذهبنا، وأرضٌ نشعر بثقلها الجميل في القلب،هو الأمان حين تضيق الطرق،وهو الحكاية التي نتوارثها،وهو المستقبل الذي نعمل من أجله كي يأتي أكثر إشراقًا لأبنائنا.
ولهذا تبدو الباحة في هذه المناسبة كقصيدةٍ خضراءجبالها أبياتٌ من شموخ،وطرقاتها سطورٌ من الفرح،وأعلامها علاماتُ تعجبٍ في وجه السماء.
ولا يحتاج الشموخ إلى ضجيج كي يُرى يكفي أن يقف الإنسان على قمم الباحة،وينظر إلى امتداد الأرض،ليدرك أن الوطن أوسع من مناسبة،وأعمق من احتفال،وأبقى من لحظة عابرة.
إنه وطنٌ يحتفى به لأن في القلب مكانًا لا يملكه سواه.
ومع اقتراب اليوم الوطني،تستعد الباحة بكل ما فيها لتفتح أبواب الفرح ،فعالياتٌ ومظاهر احتفالية،أضواءٌ تزيّن المشهد،وأعلامٌ ترفرف في كل اتجاه،ووجوهٌ تستقبل المناسبة بابتسامة تحمل خلفها تاريخًا طويلًا من الوفاء.
وفي كل رايةٍ ترتفع، حكاية
وفي كل ابتسامة، امتنان
وفي كل قلبٍ ينبض بحب الوطن وعدٌ بأن تبقى هذه الأرض جديرةً بكل هذا الفخر.
هكذا تستقبل الباحة يوم الوطن لا كمدينةٍ تتهيأ لاحتفال فحسب بل كجزءٍ أصيل من وطنٍ كبير يحمل ذاكرته في أعماقه،ويصوغ مستقبله بثقة.
وحين يحين الموعد ستعلو الرايات،وتضيء الميادين، وتصدح الأصوات،وستقول الباحة بلغتها الخاصة:
نحن هنا نحتفي بوطنٍ أحببناه،ونفخر برايةٍ رفعتنا،وننظر إلى المستقبل بعينٍ لا تعرف إلا الأمل.
في اليوم الوطني،لا تحتفل الباحة بوطنٍ كان فحسب إنها تحتفل بوطنٍ ما زال يمضي.
وما أجمل أن يمضي الوطن والقلوب خلفه..”
للتواصل : [email protected]



