كتاب الرأي

حرب الطرق الصامتة: حين تتفوق الحوادث على الكوارث

✍️ محمد جواد الحرز – كاتب سعودي :

استيقظت محافظة الأحساء على وقع فاجعة مروعة حين تحوّل طريق العيون في لحظة خاطفة إلى مسرح لمأساة إنسانية مؤلمة، بعدما حصد حادث سير أليم أرواح 9 أشخاص دفعة واحدة. لم يكن المشهد مجرد تصادم مركبين وتناثر ركام حديدي على قارعة الطريق، بل كان انطفاءً مباغتاً لتسعة أرواح غضّة، وتدميراً لأحلام وطموحات أسر كاملة ارتدت ثوب الحداد والوجع في طرفة عين. هذه الفاجعة لم تكن استثناءً معزولاً؛ فهي تتكرر أيضاً على مسارات أخرى حفرت في الذاكرة ندوباً عميقة، مثل طريق العقير الذي لا يزال يحصد الأرواح تلو الأرواح، ويشكّل خطراً دائماً يتربص بسالكيه؛ إذ يفتقر إلى الازدواجية التي تفصل حركة السير المتعاكسة، وتغيب عنه الإنارة الكافية، ليتحول التجاوز فيه ليلاً إلى مغامرة محفوفة بالموت المحقق. إن هذه المآسي تقف شاهداً حياً وجرس إنذار دامياً يفتح مجدداً ملف “حرب الطرق” الصامتة التي تستنزف الأرواح، معلنةً عن نزيف يومي لا يقل قسوة عن أشرس النزاعات وأعنف الكوارث.
ترهبنا أصوات الصواريخ في الحروب، وترتعد القلوب أمام مشاهد الزلازل والأعاصير لضخامة دمارها اللحظي؛ غير أن الأرقام تكشف حقيقة صادمة: حوادث الطرق تزهق أرواحاً وتخلف مصابين بأعداد قاربت وتجاوزت في بعض الأعوام حصيلة ضحايا نزاعات مسلحة وكوارث طبيعية عظمى. فحينما تقع كارثة طبيعية، تباغت الناس في يوم واحد فتستنفر العالم وتتصدر نشرات الأخبار، أما ضحايا الأسفلت فيتساقطون تباعاً على مدار العام، قتيل في الشرق وآخر في الغرب، حتى كاد المجتمع يتعايش مع هذا الفقد كأنه قدر لا فكاك منه، وليس نزيفاً بشرياً واقتصادياً يقتات على أرواح الشباب.
ولإدراك فداحة هذا النزيف، تكفي العودة إلى عام 2016؛ عام الذروة المؤلمة الذي كان بمثابة نقطة التحول، حيث سجلت المملكة حينها رقماً قياسياً مفزعاً بلغ 9,311 حالة وفاة بمعدل ناهز 29 وفاة لكل 100 ألف نسمة، وهو ما كان يعني عملياً فقدان إنسان كل ساعة تقريباً، فضلاً عن امتلاء غرف الطوارئ وأقسام التنويم بأكثر من 38 ألف مصاب. ومع بدء الخطوات التنظيمية الجادة في 2017، بدأت المنحنيات بالانكسار لتتراجع الوفيات إلى 7,489 حالة وتنخفض أعداد المنومين في المستشفيات إلى نحو 33 ألف جريح.
تسارعت وتيرة التدخل مع مطلع عام 2018 عبر التوسع في تقنيات الرصد الآلي لحزام الأمان واستخدام الهاتف المحمول، فهبطت الوفيات مجدداً إلى 5,787 حالة، واستقبلت المستشفيات حينها 30,579 مصاباً، ليواصل المؤشر استقراره النسبي في عام 2019 بتسجيل 5,754 وفاة ونحو 32,910 إصابات استدعت الرعاية الطبية. ورغم أن عام 2020 شهد تراجعاً استثنائياً للوفيات إلى 4,618 حالة والإصابات المنومة إلى 25,561 حالة بحكم إغلاقات جائحة كورونا وتقييد الحركة، إلا أن العودة إلى الحياة الطبيعية في 2021 أعادت تسجيل قفزة مؤقتة بلغت 6,651 وفاة وما يقارب 28 ألف إصابة.
لكن التدخلات الرسمية استعادت زمام السيطرة سريعاً؛ ففي عام 2022 هبطت الوفيات مجدداً إلى 4,555 حالة، وسجلت المستشفيات تراجعاً لافتاً في المنومين بنسبة تجاوزت 21% لتبلغ 24,446 مصاباً. وتكلل هذا المسار في عام 2023 بالوصول إلى قرابة 4,200 وفاة ونحو 23 ألف مصاب، لينكسر حاجز الوفيات إلى نحو 13 حالة لكل 100 ألف نسمة، مقترباً بالبلاد من المعايير العالمية المتقدمة.
خلف هذا التتابع الرقمي قصة إنقاذ حقيقية لأرواح كادت أن تذهب هدراً؛ فتراجع الوفيات من ذروة التسعة آلاف إلى عتبة الأربعة آلاف يعني عملياً حقن دماء أكثر من 5,000 إنسان سنوياً، وتجنيب آلاف الأسر مرارة الثكل واليتم. كما أن انحسار أعداد المصابين والمنومين في المستشفيات من 38 ألفاً إلى 23 ألفاً أزاح عبئاً ثقيلاً عن كاهل المنظومة الصحية وأسرّة العناية المركزة، وخفف فاتورة علاجية وتأهيلية كانت تكلف مليارات الريالات، لا سيما وأن السجلات الطبية تشير إلى أن أكثر من 86% من الضحايا هم من الذكور، وتحديداً في الفئة العمرية الشابة بين 19 و30 عاماً، وهي الطاقة الحيوية للوطن.
إن تسعة الأرواح التي فاضت على طريق العيون، والضحايا الذين ابتلعهم طريق العقير، والآلاف الذين غيبهم الإسفلت في مختلف المناطق، لم يكونوا مجرد أرقام تُحصى في دفاتر الإحصاء؛ بل كانوا آباء وأمهات وأبناء انكسرت بفقدهم ملامح أسر بكاملها. ومهما بلغت جهود معالجة هندسة الطرق وإنارتها، وصرامة الكاميرات والأنظمة، فإن طوق النجاة الحقيقي يبدأ دائماً من داخل قمرة القيادة: قرار حاسم بترك شاشة الهاتف، والامتثال لحدود السرعة، وإدراك أن لحظة غفلة واحدة قد تطلق رصاصة عشوائية تسلب بريئاً حقه في الحياة، وتزرع مأتماً جديداً على الطريق.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى