مؤتمر الأمن والتاريخ: الأثر واستدامته

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :
مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026» لم يكن حدثًا عابرًا ينتهي بانتهاء أيامه، بل مساحة وطنية أعادت قراءة الأمن في سياقه التاريخي، وربطت بين الذاكرة الوطنية ومتطلبات الحاضر واستشراف المستقبل. وقد منحت الرعايةُ والاهتمامُ اللذان حظي بهما المؤتمر، والمشاركاتُ العلمية والفكرية والإعلامية التي شهدها، مخرجاتِه قيمةً تتجاوز زمن انعقاده إلى سؤال أهم: كيف يُستدام هذا الأثر ويُبنى عليه؟
ويؤكد هذا المعنى ما أشار إليه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز، وزير الداخلية، في ختام المؤتمر، حين ثمّن ما حظي به من دعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهما الله وأيدهما بنصره-، وما قدّمه المشاركون من رؤى وإضافات معرفية أسهمت في إثراء أعماله وتحقيق أهدافه؛ وهو ما يعكس أن قيمة المؤتمر لم تكن في انعقاده فحسب، بل فيما أنتجه من معرفة ورؤى جديرة بالبناء عليها واستدامة أثرها.
وقد لخّص المشرف العام على المؤتمر الأستاذ أحمد الطويان هذه الرؤية في ثلاث رسائل جامعة: «الأمن: منهج ثابت لا وليد ظرف، والهوية: قصة المملكة من بداية الطريق إلى وطن راسخ ومسيرة ممتدة، والنماء: لا تنمية بلا أمن، ولا مستقبل بلا تاريخ». وهي رسائل تختصر ببلاغة العلاقة بين الأمن والهوية والتنمية، وتؤكد أن استحضار التاريخ ليس استعادة للماضي بقدر ما هو مدخل لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وهذه الرؤية تتقاطع مع اهتمامي البحثي بهذا الجانب من تاريخنا الوطني؛ فقد سبق أن تناولتُ موضوع الأمن في الدولة السعودية في مقال بعنوان «الأمن في الدولة السعودية خلال ثلاثة قرون – قراءة وثائقية موجزة»، نُشر في صحيفة مكة، ثم أعيد نشره في موقعي العربية والحدث بتاريخ 2 أغسطس 2026م، كما تناقلته عدد من الصحف الإلكترونية. وقد تتبع المقال مسيرة الأمن في مراحل الدولة السعودية الثلاث، مبرزًا أن الأمن لم يكن نتيجة لاحقة لبناء الدولة، بل كان منذ التأسيس ركيزة أصيلة لقيامها واستقرارها، وارتبط بإقامة العدل، وحماية الأرواح والممتلكات، وصيانة الحقوق، وتأمين الطرق والحج، وإنهاء النزاعات، ثم تطور مع تطور الدولة ليصبح منظومة شاملة تمتد إلى الأبعاد الفكرية والاقتصادية والسيبرانية والصحية وغيرها.
ويتصل بذلك أيضًا بحثي العلمي المنشور بعنوان «دور القضاء في توطيد الحكم السعودي في عهد الملك عبدالعزيز (1338–1373هـ/1920–1953م)»، الذي تناول دوره في ترسيخ سلطة الدولة، وتحقيق العدالة، ودعم الأمن والاستقرار خلال مرحلة مفصلية من مراحل بناء المملكة وتوحيدها.
وفي هذا السياق، شهد المؤتمر مشاركة أعداد كبيرة من المتحدثين عبر عشرات الجلسات، وتنوع محتواه بين الدراسات والأبحاث والأوراق العلمية والكلمات الإعلامية، بما عكس اتساع موضوعاته وثراء الطرح حول تاريخ الدولة السعودية والأمن والتنمية والهوية والوعي والتقنية والمستقبل، إلى جانب أمن الحج وخدمة ضيوف الرحمن، وربط التاريخ بصناعة المستقبل.
ومن هنا، فإن ما عكسه المؤتمر من عمق فكري واتساع في تناول الأمن والتاريخ يؤكد أهمية هذا الموضوع واستدامة أثره في رؤية القائمين عليه، وأن مثل هذه القضايا الوطنية الكبرى تحظى بعناية مؤسسية ممتدة تتجاوز زمن انعقاد المؤتمر.
وانطلاقًا من هذا المعنى، فإن ما أطرحه هنا لا يتجاوز كونه رؤية بحثية شخصية نابعة من الاهتمام بتاريخ الأمن في المملكة، ورغبة في الإسهام بما يخدم استدامة الأثر المعرفي لهذا المؤتمر، مع كامل التقدير لما لدى الوزارة والقائمين على المؤتمر من رؤى ومبادرات ومخرجات قد تكون أوسع وأشمل مما اطلعت عليه.
ومن هذا المنطلق، أطرح -على سبيل الإسهام والاقتراح- فكرة إنشاء «المركز الوطني للأمن والتاريخ» ليكون، إن رُئي مناسبًا، أحد الأطر الممكنة لدعم هذا المسار المعرفي، من خلال البحث والتوثيق، وإصدار مجلة علمية محكّمة، وبناء الشراكات مع الجامعات ودارة الملك عبدالعزيز والكليات الأمنية ومراكز البحوث والجهات ذات العلاقة، بما يعزز الدراسات والمشروعات العلمية والوثائقية في هذا المجال.
كما يمكن أن يتسع هذا الإطار -إن أُخذ به- ليشمل إنشاء قاعدة بيانات وأرشيف رقمي لمخرجات المؤتمر ووثائقه وأبحاثه، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الفهرسة والاسترجاع والتحليل، إلى جانب إطلاق البرامج والمنح البحثية، وإصدار تقرير سنوي يتابع ما يستجد في الدراسات والمبادرات المرتبطة بالأمن والتاريخ.
وبذلك يمكن أن يمتد أثر المؤتمر من زمن انعقاده إلى مسار معرفي ومؤسسي مستمر يخدم تاريخ المملكة وأمنها وذاكرتها الوطنية، ويعزز تراكم المعرفة في هذا المجال.
إن تاريخ الأمن في المملكة ليس سجلًا للماضي فحسب، بل هو جزء من تفسير حاضرها وصناعة مستقبلها. ومن هنا فإن استدامة هذا المؤتمر معرفيًا وبحثيًا يمكن أن تسهم في بناء مرجع وطني متجدد يجمع بين التوثيق والتاريخ، وبين الخبرة الأمنية والرؤية المستقبلية، ويؤكد أن الأمن في التجربة السعودية كان ولا يزال أساس الاستقرار، وحاضنة التنمية، ومنطلق بناء الدولة والإنسان.



