كتاب الرأي

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.. واحة اليقين في مهبِّ التحوّلات

زاوية ” جمعتنا آية ” :

       ✍️  حسن المقصودي-كاتب رأي : 

في زمنٍ تموج فيه المنطقة بالمتغيرات المتسارعة، وتتلاطم من حولنا أمواج الأزمات والخطوب، تكتسب الكلمات الإلهية بُعداً أعمق يتجاوز حدود التلاوة والتدبر، لتتحول إلى ملاذٍ آمن للأرواح، ودستورٍ حي للأوطان. وفي هذه الأوقات الاستثنائية، تتجلى دعوة الخليل إبراهيم —عليه السلام— في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾؛ لا بوصفها مجرد أمنية تاريخية جرت على لسان نبي، بل كطوق نجاة، ومنارة سكينة نستظل بها، ومسؤولية عظمى نتحملها جميعاً لصون هذا الحِمى المبارك.بثُّ السكينة في زمن القلق المحيطحين نلتفت يمنة ويسرة ونرقب مشهد المنطقة الملتهب، ندرك بعمق الوعي أن الأمن ليس مجرد غيابٍ مؤقت للخوف، بل هو شريان الحياة الأوحد، والركيزة الأولى للكرامة الإنسانية. وفي تراتبية الدعاء الإبراهيمي حكمة بالغة؛ حيث قدَّم الخليلُ أمن الديار على وفرة الأرزاق، لعلمه أن الرزق بلا أمان خوفٌ مقيم، وأن الثمرات لا تنضج في بيئات التوجس. إننا اليوم، ونحن نتدبر هذه الآية وسط عواصف الإقليم، لا نستجدي الطمأنينة بل نستشرفها من عين اليقين بالله؛ يقينٌ ينبع من الإيمان بأن حفظ الأوطان يبدأ من القلوب المؤمنة بقيمها، والمتشبثة بترابها والذود عنه.

استشعار المسؤولية.. المواطنة وعيٌ وحراسة
إن هذه الآية الكريمة، بقدر ما تبثه في النفوس من سلام وطمأنينة، فإنها تضعنا أمام مرآة المسؤولية الفردية والجماعية. فالاستقرار الذي ننعم به اليوم وسط هذا المحيط العاصف ليس منحة عابرة، بل هو ثمرة تلاحم وثيق بين قيادةٍ حكيمة تقرأ موازين القوى باقتدار، وشعبٍ واعٍ يدرك أن المواطنة الحقيقية هي حراسة للفكر قبل الحدود. المسؤولية اليوم تحتم على كل صاحب قلم، وكل رب أسرة، وكل منبر معرفي، أن يكون سداً منيعاً ضد زيف الشائعات، وحصناً ضد الفتن، ومترجماً حقيقياً لمعنى الأمان في سلوكه وانتمائه.

ثبات الثوابت في وجه المتغيرات
وسط تدافع الأحداث وجسامة التحديات، تظل ثوابتنا الوطنية والدينية هي المرتكز الذي لا يميل، والبوصلة التي لا تخطئ. فالانتماء في هذا الوطن ليس شعاراً استعراضياً يُرفع في المواسم، بل هو عقيدة راسخة تترجمها المواقف الصارمة في أوقات الشدائد. إن التحديات المحيطة بنا لا تزيدنا إلا تماسكاً وتلاحماً، مستمدين من كتاب ربنا القوة والصلابة؛ لنثبت للعالم أن هذه الأرض ستظل دائماً —بإذن الله— منارة للاستقرار والتنمية، وعصية على الاختراق أو الانكسار.

خاتمة: نبضٌ لا يخبو ودعاءٌ متصل
ختاماً، تأتي زاوية (جمعتنا آية) في هذا التوقيت بالذات لتؤكد أن الأمان لا يُمنح بل يُصنع؛ يُصنع باليقين بالله أولاً، ويُحمى بيقظة الأبناء واستشعارهم لثقل الأمانة ثانياً. سيبقى هذا الوطن واحة سلام في قلب عالمٍ قلق، وعنواناً لرباطة الجأش والحكمة. ومع كل إشراقة فجر، نرفع أكف الضراعة متضرعين بالدعاء الخالد الذي يحرس تفاصيل أيامنا ويصون مستقبل أجيالنا: {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا}.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى