حين لا تشبه أوجاعنا بعضها

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :
ليلة البارحة، كنت في جلسة قهوة مع بعض الأصدقاء.
وكعادة الأحاديث التي تبدأ من مكان ولا نعرف أين ستأخذنا، انتقلنا من موضوع إلى آخر، وتشعبت النقاشات، حتى قال أبو سلمان جملة بدت عابرة في لحظتها
( كيف الصبر موزع على الناس )
قالها، ثم أخذ يذكر بعض المواقف البسيطة.
شخص تُصدم سيارته، فينزل منها هادئاً، ينظر إلى ما حدث ويقول الحمد لله، ويتعامل مع الأمر وكأن الخسارة لا تستحق أن يخسر معها هدوءه.
ثم ضرب مثالاً بقي معي أكثر
( قد يكون صبر محارب السرطان على العلاج الكيماوي أكبر من صبره على نظرات الشفقة في عيون من يحبهم )
وهنا بدت الفكرة أعمق.
فالإنسان نفسه الذي يحتمل ألم العلاج، وتعب الجسد، وثقل الأيام، قد تؤلمه نظرة واحدة أكثر مما يؤلمه كل ذلك.
ليس لأن النظرة أقسى من المرض.
ولكن لأن الأشياء لا تؤلمنا بحجمها دائماً، وإنما بالمكان الذي تصل إليه في داخلنا.
مضى الحديث بعدها إلى غيره، كما تفعل أحاديث المجالس دائماً.
لكنني بقيت عند تلك الجملة
كيف يتفاوت الصبر بيننا؟
فكرت في كثير من الأشخاص الذين مروا بنا في الحياة، وفي تلك المفارقات التي نشاهدها أحياناً دون أن نتوقف عندها.
ترى إنساناً يحتمل ضيق المال سنوات، ولا تسمع منه شكوى، بينما يضيق آخر من تأخر أمر كان ينتظره.
وترى شخصاً يتحمل مسؤوليات لو وُضعت على كتف غيره لأثقلته، ومع ذلك يمضي وكأن الأمر عادي.
وترى من يصبر على كلمة، ومن يصبر على خسارة، ومن يصبر على غياب، ومن يصبر على أيام كاملة لا يعرف أحد كيف تمر عليه.
ثم يأتي الموت….
ذلك الباب الذي تتغير عنده كل المقاييس.
يفقد إنسان شخصاً كان جزءاً من حياته، فتراه مكسوراً من الداخل، لكنه ثابت أمام الناس، يردد إنا لله وإنا إليه راجعون.
يبكي، ويحزن، ويشتاق…..
لكنه يصبر.
فتقف أمامه متعجباً من مقدار ما يحمله قلبه.
وقد ترى الإنسان نفسه بعد ذلك تضيق نفسه من موقف يبدو لك أصغر بكثير مما سبق.
فتستغرب
كيف استطاع أن يصبر على الموت، ولم يصبر على هذا؟
وربما هنا تحديداً تكمن الإجابة.
نحن لا نصبر بالطريقة نفسها على كل شيء.
قد يكون لإنسان من الصبر على الفقد ما لا يكون له على كلمة، ولآخر قدرة عجيبة على احتمال ضيق الحياة، بينما تهزه أشياء يراها غيره بسيطة.
ولعل أجمل ما في الصبر أنه يكشف لنا أنفسنا.
نظن أننا لن نستطيع احتمال أمر ما، ثم يأتي، فنجد في داخلنا قوة لم نكن نعرف أنها موجودة.
ونظن أننا تجاوزنا أشياء كثيرة، ثم يأتي موقف صغير في ظاهره، فيكشف لنا موضعاً في داخلنا ما زال هشاً.
ولهذا ربما يكون من الظلم أن نصف إنساناً بأنه صبور، وآخر بأنه قليل الصبر، اعتماداً على موقف واحد.
فنحن نرى الموقف…
ولا نرى ما يحدث داخل صاحبه.
نرى دموعه، ولا نعرف ما قاوم قبل أن يبكي.
نرى غضبه، ولا نعرف كم مرة تماسك قبله.
ونرى ثباته، ولا نعرف كم مرة انهار حين كان وحده.
حتى الصبر عند الموت لا يعني غياب الحزن.
فالإنسان قد يصبر ويبكي، وقد يحتسب ويشتاق، وقد يؤمن بقضاء الله، ويظل في قلبه مكان فارغ لا يملؤه أحد.
فالصبر ليس ألا نتألم.
ربما الصبر أن نتألم، ومع ذلك لا نفقد يقيننا بالله.
ولهذا حين يقول الله تعالى:
﴿ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴾ البقرة: ١٥٥-١٥٦
فإن البشارة لم تكن لأناس لم تصبهم المصيبة، وإنما لأناس أصابتهم، وشعروا بثقلها، ثم عرفوا إلى من يعودون.
ومنذ ليلة البارحة، وأنا أعود إلى جملة أبو سلمان
(كيف الصبر موزع على الناس)
وأفكر أن الإنسان ربما لا يعرف مقدار صبره حتى تأتي اللحظة التي يحتاجه فيها.
فكم من أمر قلنا يوماً إننا لن نستطيع احتماله، ثم جاء، ومررنا به، واكتشفنا أن الله منحنا عند وقوعه من الصبر ما لم نكن نعرف أنه فينا.
وكم من أمر حسبناه بسيطاً، ثم حين مس موضعاً مختلفاً في داخلنا، اكتشفنا أن الاحتمال ليس دائماً بحجم الحدث.
ولهذا، حين ترى شخصاً لم يحتمل أمراً تراه أنت بسيطاً، لا تتعجل في الحكم عليه.
ولا تقل
لو كنت مكانه لصبرت.
فأنت لست مكانه.
ولم تحمل قلبه.
ولم تعش حكايته.
ولم تُختبر فيما اختبر فيه.
وربما الشيء الذي صبر عليه هو نفسه الشيء الذي كنت ستنهار أمامه.
وربما الشيء الذي تراه اليوم أكبر من قدرتك، يهبك الله حين يأتي من الصبر ما يجعلك تعبره.
وربما امتحانك أنت ما زال ينتظرك في مكان آخر.
لذلك لا تقس صبر الناس بما تستطيع أنت احتماله.
فلكل إنسان باب يظهر عنده صبره، وباب يتعلم عنده الصبر من جديد.
ولعلنا في النهاية لا نحتاج أن نعرف كيف وُزع الصبر بيننا…
بقدر ما نحتاج أن نتذكر، كلما رأينا إنساناً في امتحانه، أن نكون أرحم في أحكامنا.
فنحن لا نعرف ما الذي يحمله.
ولا مقدار ما صبر عليه.
ولا أين سيكون امتحاننا القادم.
فلكل منا صبره
ولكل منا امتحانه.
للتواصل : [email protected]



