كتاب الرأي

السوس فيد.. من التقنية الفرنسية إلى مطابخ الضيافة السعودية

✍️ م. د.حليمة عسيري -مستشارة في فنون الطهي والضيافة :

يشهد قطاع الطهي والضيافة تطورًا متسارعًا، وأصبحت التقنيات الحديثة جزءًا من منظومة العمل في المطابخ الاحترافية، إلى جانب الخبرة والمهارة. ومن أبرز هذه التقنيات السوس فيد (Sous Vide)، وهي تقنية فرنسية تعتمد على التحكم الدقيق في درجة الحرارة والوقت أثناء طهي الطعام داخل كيس محكم الإغلاق في حمام مائي.

ويشير مصطلح Sous Vide إلى «الطهي تحت التفريغ»، وقد تطورت هذه التقنية لتصبح إحدى الأدوات المستخدمة في المطابخ الاحترافية حول العالم، لما توفره من دقة في الوصول إلى درجات نضج متقاربة والحفاظ على خصائص المكونات.

وتكمن الفكرة الأساسية في أن الطعام لا يتعرض لحرارة مرتفعة ومباشرة كما يحدث في بعض طرق الطهي التقليدية، وإنما يُطهى في بيئة حرارية مستقرة ومحددة. وهذا يمنح الشيف قدرة أكبر على التحكم في النتيجة النهائية، خصوصًا عند التعامل مع اللحوم والدواجن والأسماك والخضروات.

وفي المطابخ التجارية، يمكن أن تتجاوز أهمية السوس فيد الجانب المتعلق بمذاق الطبق؛ إذ تساعد الإجراءات المعيارية على تحقيق ثبات الجودة وتوحيد المنتج وتنظيم عمليات الإنتاج، وهي عناصر مهمة مع ارتفاع حجم الطلب وتوسع عمليات تقديم الطعام والضيافة.

كما تفتح هذه التقنية مجالًا لتطوير الأطباق السعودية بأساليب معاصرة، دون أن يعني ذلك التخلي عن هوية المطبخ المحلي. فمن الممكن توظيف التقنيات الحديثة في بعض مراحل إعداد المنتجات والأطباق التراثية، مع المحافظة على النكهات والمكونات والقصص المرتبطة بكل منطقة.

وهنا تبرز أهمية الشيف الذي يجمع بين التراث والتقنية؛ فالتطوير الحقيقي لا يعني تغيير هوية الطبق، وإنما إيجاد طرق جديدة لتقديمه والمحافظة على جودته بما يتناسب مع متطلبات الضيافة الحديثة.

لكن استخدام السوس فيد يحتاج إلى معرفة دقيقة بسلامة الغذاء. فالطهي بدرجات حرارة منخفضة يتطلب التحكم في الوقت ودرجة الحرارة، إضافة إلى إجراءات التبريد والتخزين والتعامل الآمن مع المنتج. ولذلك يجب تطبيق التقنية وفق إجراءات علمية ومعايير واضحة لسلامة الغذاء.

ومع نمو قطاع السياحة والضيافة في المملكة، تتزايد الحاجة إلى كوادر تجمع بين فن الطهي، علوم الغذاء، إدارة العمليات، وسلامة الغذاء. وهذه المهارات تمثل جزءًا من التحول الذي يشهده المطبخ السعودي، حيث أصبح الابتكار عنصرًا مهمًا في تطوير تجربة الزائر والسائح.

السوس فيد ليست مجرد تقنية فرنسية دخلت المطابخ العالمية، بل نموذج لكيف يمكن للعلم والتكنولوجيا أن يلتقيا مع خبرة الشيف لصناعة تجربة غذائية أكثر دقة واتساقًا، مع إمكانية توظيفها لخدمة المطبخ السعودي وإبراز أطباقه بروح معاصرة.

للتواصل : [email protected] .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى