عالم أرواح شاكر العقيد .. الروح الغاضبة (الفصل الرابع والأخير)

✍️ سمير الشحيمي .. كاتب عماني
دخلت “ميلاد” الحرم الجامعي تسأل عن مكتب الأستاذ “شاكر العقيد”، وظلت تتنقل حتى وصلت إلى مكتبه، لكنها لم تجده. أخبروها أنه يلقي محاضرة حالياً، وما هي إلا دقائق معدودة حتى دخل “شاكر” المكتب، وجلس خلف طاولته وهو ينظر إليها بتساؤل:
— تفضلي يا مدام، أي خدمة أستطيع تقديمها لكِ؟
اقتربت منه “ميلاد” بصوت يرتجف:
— إن روح زوجي الشريرة تطاردني وتتوعد بالتخلص مني!
رد “شاكر” بنبرة جافة:
— وهل أعمل مصلحاً اجتماعيّاً في عالم الجان؟
— أريدك أن تنقذني منه، أرجوك!
— أنا لست شرطياً في عالم الأرواح كي أنقذكِ. لا أفهم شيئاً في هذه الأمور، ابحثي لكِ عن دجال أو شيخ يساعدكِ.
— لكنهم هم من دلوني عليك!
تعجب “شاكر”:
— من هؤلاء؟
— المشعوذة التي استدعت روح زوجي “فاضل”.. وهو الآن غاضب جداً.
زفر “شاكر” بضيق وقال:
— يا لكم من حمقى! تتلاعبون بأمور أكبر منكم، ويخدعكم هؤلاء السحرة والمشعوذون ليأكلوا أموالكم بالباطل.
بدأت “ميلاد” تبكي وتقول:
— أعلم أنها غلطة وندمت عليها.. أمي هي السبب، أقنعتني باستدعاء روح زوجي لنعرف مكان الذهب والمجوهرات.
— عماكِ الجشع وطمعكِ، ولم تفكري بعواقب هذا العبث.
استعطفتْه والدموع تتطرق من عينَيْها:
— أرجوك ساعدني! لقد تخلوْا عني.. أريدك أن تساعدني يا أستاذ شاكر، أرجوك!
تنهد “شاكر” وقال:
— حسناً، حسناً.. سأحاول المساعدة.
أشرق وجهها ببريق أمل:
— شكراً لك، شكراً جزيلاً يا أستاذ شاكر!
— أين تظهر لكِ روح المرحوم الآن؟
— في المنزل.. لا أستطيع النوم. يظهر لي بوجه غاضب ويتوعدني، وأسمع همس صوته يقول: “الويل لكِ يا ميلاد.. يجب أن تموتي!”
— مهما قالت الأرواح، فهي لا تستطيع إلحاق ضرر المباشر بالبشر.
— لكنه يخرج لي في كل بقعة بالمنزل!
— هل كان بينكِ وبين المرحوم خلاف؟
— لابد من وجود خلافات بين أي زوجين، لكن ليس لدرجة تتسبب بموت أحدهما!
فكر “شاكر” قليلاً ثم قال:
— سأحضر إلى منزلكِ غداً مساءً.
— حقاً؟ سأكون في انتظارك!
— لكن يجب أن تحضري معكِ المشعوذة التي استدعت روحه، لأننا سنحتاج إلى جلسة تحضير أخرى لروح “فاضل”.
— هل ستستدعي روح زوجي في منزلي؟
— نعم، لأنه المكان الذي يتواجد فيه حالياً، وسيكون من السهل إحضاره وإنهاء هذا الأمر.
— أتمنى ذلك من كل قلبي.
خرجت “ميلاد” من المكتب، وظل “شاكر العقيد” يقلب أوراقه. وما هي إلا دقائق حتى غلبه النعاس، فأغمض عينيه قليلاً.. وفجأة، فتح عينيه ليجد نفسه في مكان آخر غريب؛ كان يقف على شاطئ بحر أمواجه هادئة، ومن تحت الماء خرج رجل ارتفع نحو السماء ثم توقف. نظر الرجل باتجاه “شاكر” وانقض عليه بشراسة!
استيقظ “شاكر” فجأة، ونبضات قلبه تتسارع بقوة. وجد نفسه خلف مكتبه، فقال بلهجة ساخرة:
— يبدو أن صديقنا غاضب بالفعل، ولا يريد مني أن أساعدها!
في اليوم التالي وفي الموعد المحدد، ذهب الأستاذ “شاكر العقيد” إلى منزل “ميلاد”. استقبلته هي وأمها، برفقة العرافة “حسنية”.
قالت العرافة “حسنية” بحماس وهي توجه حديثها لشاكر:
— أنا في غاية السعادة لأنني قابلتك يا أستاذ شاكر! أنا من أشد المعجبين بك وبكتاباتك.
جلس “شاكر” على الأريكة وقال بابتسامة تهكمية:
— لهذه الدرجة لي معجبون بين المشعوذين والسحرة؟
— أحب كل ما تكتبه، وخصوصاً كتابك الأخير القرية النائية والأرواح المعزولة.. كان يقطع الأنفاس صدقني!
— وما الذي جعلكِ تمتهنين هذه المهنة؟
— كنت صغيرة وأبحث عن إجابات، فاستدعيتُ بعض الأرواح بالخطأ.. ومن يومها تعلمتُ ودخلت هذا المجال.
— إنه مجال صعب وخطير.
— ولكنه يدر عليّ مبالغ لا بأس بها!
قاطعت “ميلاد” الحديث بقلة صبر:
— هل سنظل نتعارف هكذا وهناك روح غاضبة تريد هلاكي؟!
ابتسم “شاكر” وقال بتهدئة:
— لا تقلقي، سنتعامل معها الآن.. أين تظهر لكِ كثيراً؟
— في الطابق الثالث، عند غرفة النوم.
صعد الجميع إلى الأعلى، وطلب الأستاذ “شاكر” من العرافة “حسنية” أن تبدأ بتجهيز المكان لاستدعاء روح “فاضل الشريف”. كانت أم “ميلاد” خائفة تتضرع بالدعاء:
— احمِ ابنتي يا رب.. احفظها يا رب!
كانت “ميلاد” تبكي في حيرة، بينما انتهت العرافة من تهيئة المكان ووضعت كرسياً في طرف الصالة. أشار لها “شاكر” ببدء الجلسة، فشرعت “حسنية” تمتم بكلماتها الغامضة. لم تطل العملية حتى اهتز الكرسي القابع في العتمة، فنادت العرافة:
— فاضل.. فاضل الشريف، هل هذا أنت؟
صوت خافت أجاب:
— نعم.. أنا.
— استدعيناك لأمر بينك وبين زوجتك.. لماذا ترفض الذهاب لعالمك وتخيفها؟
ردت الروح بغضب عارم:
— لن أرتاح حتى تموت ميلاد!
— لماذا؟ هي لم تفعل لك شيئاً!
جهشت “ميلاد” بالبكاء وقالت:
— سامحني لأني أذيتك.. سامحني لأنني جرحتك، أرجوك!
— فات وقت المسامحة، ولن أترككِ بسلام.. لابد أن تموتي!
تدخل “شاكر”:
— اتركها، هي لم تفعل لك شيئاً!
— بل فعلت الكثير، ولن أتركها!
— لماذا؟ ماذا فعلت؟!
صرخت الروح بألم، وفجأة أغمض “شاكر” عينيه وسقط على الكرسي مغشياً عليه. وما إن أفاق حتى نظر إلى “ميلاد” وقال بأسى:
— ما الذي فعلتِه يا ميلاد؟ لقد ارتكبتِ أكبر خطيئة!
ارتبكت “ميلاد”:
— أي خطيئة؟ شاكر ساعدني!
— زوجك لم يكن قد فارق الحياة.. كان على قيد الحياة عندما استدعيتم روحه، وأنتم من تسببتم بمقتله!
— أنا لم أقتل أحداً! لم أقتل فاضل!
— فاضل يتواصل معي الآن ويحاورني.. يتهمكِ بقتله. لقد كان بعيداً عنكِ يقضي وقتاً مع زوجته الأخرى!
صدمت “ميلاد”:
— ماذا تقول؟ زوجي لم تكن له زوجة أخرى غيري، وأنا لم أقتله! لقد وجدوه ميتاً في عرض البحر!
عم الصمت المكان، وفجأة فتح “شاكر العقيد” عينيه، وقد تحول لونهما إلى الأحمرار كالجمر، وهو ينظر إلى “ميلاد” بجمود. صرخت العرافة “حسنية”:
— روح فاضل الشريف تلبست جسد الأستاذ شاكر!
قالت “ميلاد” وهي ترتجف وتبكي بحرقة:
— أرجوك سامحني يا فاضل.. أرجوك!
تحدث “فاضل” بنبرة غليظة من خلال جسد “شاكر”:
— هربتُ منكِ ومن تكبركِ وعجرفتكِ.. أعلم أنكِ تزوجتِني عن طمع وجشع!
— لكن أنا…
قاطعها بصوت هادر:
— اصمتي!
ارتجفت “ميلاد” واحتضنتها أمها التي كانت ترتعد خوفاً. أكمل “فاضل”:
— بدأت أوضاعي المالية تتدهور، والبنوك والمستثمرون يطالبون بأموالهم. لم أجد حلاً سوى الهروب بطريقة تجعل الجميع يظنون أنني ميت بالفعل، لكي تدفع شركة التأمين ديوني، فقد أمنتُ على حياتي بمبلغ 100 مليون دولار في حال وفاتي بحادث. أستأجرتُ جثة من إحدى المستشفيات الخاصة لجثث لا يطالب بها أحد، تشبه بنيتي وقامتي، وألبستها ملابسي ثم ألقيتها في عرض البحر بعد أن تعمدتُ تشويه الوجه واليدين لتعطيل البصمات والملامح.
قالت “ميلاد” بذهول:
— لكن تلك كانت جثتك! خاتمك المفضل كان في يدها!
— ألبستُها خاتمي لتكون الدليل القاطع على أنها جثتي، وأنتِ أيتها الغبية أثبتِ ذلك عند معاينتك لها!
سألت العرافة “حسنية”:
— لكن ما دمت حياً ترزق وقتها، كيف أصبحت الآن في عداد الأموات وروحك معنا؟
التفت جسد “شاكر” إليها وقال صوت “فاضل”:
— بسببكِ أنتِ! زوّرتُ أوراقي وأصدرتُ جوازاً جديداً، وربتُ ليلة اختفائي إلى لبنان حيث توجد زوجتي الثانية. حملتُ معي المجوهرات والذهب وبعتها في السوق السوداء لأدفع منها الرشاوى وأبدأ حياة جديدة بشخصية جديدة. لكن فرحتي لم تتم.. بينما كنت على شاطئ “خليج بونيتا” في رحلة استجمام، أحسست بألم يمزق صدري وقلبي يخفق بشدة، وكأن أحداً ينتزع روحي بالقوة! سقطتُ ولم أفق إلا وأنا معكم في تلك الليلة!
شهقت العرافة “حسنية”:
— في تلك اللحظة كنتَ لا تزال على قيد الحياة! وعندما قمنا باستدعائك، لم تستجب الروح في البداية لأنها كانت تقاوم، وعندما حضرت كانت خائفة.. يا إلهي! لقد تسببنا بمقتلك أثناء الطقوس!
صرخ “فاضل”:
— نعم! أنتم السبب!
ثم التفت إلى “ميلاد” وأشار إليها بحقد:
— الويل لكِ يا ميلاد.. الويل لكِ!
فجأة، سقط جسد الأستاذ “شاكر” على الأرض. ركضت نحوه العرافة وهزت كتفه:
— أستاذ شاكر! استفق! لقد ذهبت روح فاضل!
فتح عينيه ببطء وقال وهو يمسك رأسه:
— رأسي يكاد ينفجر، وعيناي تؤلمانني.. زوجكِ هذا صعب المراس وغاضب جداً.
نهض “شاكر” ونظر نحو “ميلاد”، فوجدها تحدق في أقصى الممر وهي تبتسم بذهول وتقول:
— حبيبي فاضل.. نعم، أنا أسمعك.
بكت أمها بانهيار:
— ماذا بكِ يا ابنتي؟ إلى ماذا تنظرين؟!
ردت “ميلاد” بنبرة غائبة عن الوعي:
— نعم يا حبيبي.. أنا أحبك ولا أستطيع العيش بدونك.
قال “شاكر” بلهفة:
— إنها تتحدث مع روح فاضل! يريد أن يفقدها عقلها، يجب أن نخرجها من المنزل فوراً!
توجهت الأم ونادت ابنتها، وقبل أن تلمسها سقطت على الأرض وكأن قوة خفية سحبتها من قدمها! تحركت العرافة لإنقاذ الأم، فتطايرت مزهرية من على الطاولة وضربت رأس العرافة لتسقط مغشياً عليها.
صرخ “شاكر” في الفراغ:
— يا فاضل! اتركنا بسلام وعد من حيث أتيت!
لكن “ميلاد” كانت تضحك وتردد:
— أحبك يا فاضل.. أحبك كثيراً.
اقترب “شاكر” منها، فرأى في الاتجاه الذي تنظر إليه ظلاً أسود يقف ويشير بيده نحو الشرفة. نظرت “ميلاد” إلى الشرفة وقال بصوت هادئ:
— بالفعل، الجو جميل جداً.. أريد أن أستنشق بعض الهواء.
ركضت “ميلاد” نحو الشرفة، وجرى “شاكر” خلفها ليمنعها بعدما فهم أن الروح تدفعها للانتحار من الطابق الثالث. لكن كرسياً تحرك فجأة ليعيق طريقه، فسقط “شاكر” على الأرض. كانت “ميلاد” تضحك وهي تقف على سور الشرفة وتقول:
— أنا قادمة يا حبيبي.. أنا قادمة!
قفزت “ميلاد” من الشرفة وسط صرخات أمها العاجزة. سقطت على الأرض وفارقت الحياة في الحال.
التفت “شاكر” نحو الممر، فرأى الظل الأسود يتلاشى ويتلاقى في الهواء. ركضت الأم والعرافة إلى الشرفة تنظران إلى الأسفل نحو جثة “ميلاد” الغارقة في دمائها. في تلك اللحظة، ألمح “شاكر” روح “ميلاد” وهي ترتفع بجانب روح “فاضل”، قبل أن تحلقا معاً وتختفيا في أعماق السماء.
بعد التحقيق وحضور الشرطة، خرج الأستاذ “شاكر العقيد” رفقة العرافة “حسنية”. التفت إليها وقال بجدية:
— يجب أن تتوقفي عن استدعاء الأرواح.
ردت العرافة:
— لا أستطيع.. عالم الأرواح أصبح جزءاً من حياتي.
— ألم يكفكِ ما حدث؟ استدعيتِ روح شخص حي، فتسببتِ في مقتله وموت زوجته!
ابتسمت العرافة وقالت:
— إنها غلطتهن! ما رأيك أن نعمل معاً يا أستاذ شاكر؟ سنشكل ثنائياً رائكاً في محاربة الأرواح الضائعة!
نظر إليها “شاكر” بنظرة مطولة، ثم فتح باب سيارته وركب وهو يقول:
— أتمنى لكِ يوماً سعيداً.. واستمتعي برفقة أرواحكِ الضائعة.
انطلق بسيارته واختفى في عتمة الطريق.
— تمّت —
للتواصل [email protected]



