“الهاربة من الحب”

✍️ مشاعل عبدالعزيز عريف :
كانت فتاة تخشى الحب كما يُخشى المرض، تراه قوة غامضة تسلب من يقعون فيه إرادتهم، فتفزع منه وتهرب كلما اقترب. وإذا راق لها أحد، خافت من ضعفها أمامه، فهربت بنفسها إلى قاع الوحدة، تقنع قلبها أن الأمان في البُعد، لا القرب.
لكن ذات يوم، اصطدمت بشخص مختلف. غامض الملامح، هادئ الحضور، جريء في نواياه. رجل إذا أراد شيئًا، دأب على مطاردته حتى يملكه. لم يعرف يومًا طعم الفشل. اقترب منها بصمت، صار ظلًا لها، لا يطلب شيئًا سوى حديث عابر، وهي ترفضه بكل حدة. لكنه لم ييأس، لم يُغضبه صدّها، ولم يُثنه تجاهلها. حتى صارت تراه في كل مكان، كأنه جزء من يومها.
وفي أحد الأيام، خرجت مع صديقاتها، وظلّت تتلفّت حولها، تبحث عنه بلا وعي. لكنها لم تره. تسلّل القلق إلى قلبها، وسألت نفسها: “أين هو؟ هل أصابه مكروه؟ أم أنه… ملّ؟”
جلست وسط صديقاتها شاردة، لا تسمع حديثهن، ولا ترى وجوههن. التفتت إليها إحداهن وقالت:
“ما بكِ؟ هل سقطتِ في بحر حبه؟”
تلعثمت، ثم قالت ببرود كاذب:
“بالعكس… أشعر براحة لأنه اختفى.”
لكن قلبها لم يصدق كلماتها.
وفي طريق عودتها للبيت، توقفت سيارة أمامها. وإذا به، يفتح نافذته ويسألها بهدوء:
“كيف كان يومكِ؟”
اضطربت. فرحت لرؤيته، وخافت في الوقت ذاته.
قالت بحدة مصطنعة:
“وما شأنك بيومي؟”
ابتسم وقال:
“اسمعيني… هذه آخر مرة أظهر فيها أمامك. لن تريني بعدها أبدًا.
أنا أحبك، ولا أستطيع العيش بدونك. ظللت قريبًا منك لأني أخاف عليكِ.
أنتِ كالزهرة، وأخشى أن يقطفكِ غيري.
لا أريد منكِ شيئًا سوى قلبك.
أعدك أني سأهتم به، سأملأه حُبًا وحنانًا، سيكون أغلى ما أملك.
هذا كل ما لدي… والكرة الآن في ملعبك.
إن أردتِني، سأكون أسعد رجل في الدنيا.
وإن لم تريدي، سأرحل. وسأُحبك بصمت، دون أن أزعجك.”
ثم انطلق بسيارته، وتركها خلفه في ذهول.
باتت في حيرة. لا تعرف ماذا تفعل. خائفة من الاقتراب، وخائفة أكثر من الفقد.
لقد تعوّدت عليه، على وجوده، على طيفه اليومي.
أيعقل أن تختار الفراق الآن؟
أم تخاطر بقلبها لأجله؟
يتبع ”



