كتاب الرأي

السعودية.. ركيزة التوجه نحو هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط

    ✍️ العميد. م ندى الخمعلي – كاتب رأي :

لم يكن حديث السفير الصيني لدى المملكة العربية السعودية عن بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط مجرد طرح دبلوماسي عابر، بل جاء في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تتغير فيه موازين القوة وتتزايد فيه الحاجة إلى صيغة أمنية تجعل دول المنطقة أكثر قدرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها. والأهم في هذا الطرح أن المملكة العربية السعودية تبدو، بصورة متزايدة، إحدى أهم الركائز التي يمكن أن يقوم عليها هذا التوجه.

الصين عندما تتحدث عن هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط لا تتحدث فقط عن الأمن بمفهومه العسكري، وإنما عن منظومة تقوم على الاستقرار والحوار والتنمية والتعاون، وعلى أن تكون دول المنطقة صاحبة الدور الأساسي في معالجة أزماتها. وهذه الرؤية تلتقي مع مسار سعودي واضح خلال السنوات الأخيرة، يقوم على تعزيز مكانة المملكة كقوة إقليمية مسؤولة، قادرة على الجمع بين القوة والاعتدال، وبين الردع والدبلوماسية، وبين المصالح الوطنية والمسؤولية تجاه محيطها العربي والإسلامي.

وهنا تأتي أهمية اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان. فقد وقعت الدول الثلاث الاتفاقية في مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026، ونصت على تعزيز الردع المشترك، وعلى اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، مع تطوير أوجه التعاون الدفاعي.

والأكثر دلالة أن الاتفاقية لم تبقَ في إطار الإعلان السياسي؛ ففي 31 أغسطس اجتمعت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول، واتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة للاتفاقية في المملكة العربية السعودية. وهذا يعني أن الرياض أصبحت ليس فقط طرفًا في الترتيب الأمني، وإنما مركزًا مؤسسيًا له.

ومن هنا يمكن فهم التزامن بين التطورين: الصين تتحدث عن هيكل أمني جديد للشرق الأوسط، والسعودية تعمل على بناء شراكات أمنية ودفاعية إقليمية تجعل دول المنطقة أكثر قدرة على تحمل مسؤولية أمنها.

ولا يعني ذلك أن اتفاقية مكة هي المشروع الذي تحدث عنه السفير الصيني، أو أن الصين جزء من الاتفاقية؛ فهذا استنتاج لا تؤكده البيانات الرسمية. لكن التشابه في الاتجاه العام يستحق التأمل: الأمن الإقليمي، تحمل دول المنطقة مسؤولية أمنها، التعاون بدل الاستقطاب، وبناء ترتيبات أكثر استدامة.

وتبرز المملكة في هذه المعادلة لعدة أسباب. أولها مكانتها العربية والإسلامية، وثانيها وزنها الاقتصادي والسياسي، وثالثها موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين الخليج والبحر الأحمر والمشرق العربي، ورابعها قدرتها على بناء علاقات استراتيجية متوازنة مع القوى الكبرى.

وهذه النقطة بالذات مهمة في فهم الدور السعودي؛ فالمملكة لا تبدو وكأنها تبحث عن استبدال تحالف دولي بتحالف دولي آخر، وإنما عن توسيع هامش الحركة الاستراتيجية. فهي تستطيع أن تتعاون مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعمق شراكتها مع الصين، وتحتفظ بعلاقات مهمة مع روسيا وأوروبا وتركيا وباكستان، دون أن يعني ذلك أنها أصبحت جزءًا من محور ضد محور.

وهذا هو النموذج الذي يمكن أن يجعل الرياض ركيزة للهيكل الأمني الجديد: علاقات متعددة الاتجاهات، وقرار وطني مستقل، وشراكات إقليمية، وقدرة على الحوار مع الأطراف المختلفة.

أما تركيا وباكستان، فوجودهما إلى جانب السعودية في اتفاقية مكة يضيف بعدًا مهمًا. تركيا تمتلك وزنًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا كبيرًا، وباكستان تمتلك قوة عسكرية مهمة وخبرة دفاعية واسعة، بينما تمتلك السعودية الثقل الاقتصادي والسياسي والمكانة الدينية والقدرة على بناء الجسور بين العالمين العربي والإسلامي.

وبذلك يصبح الترتيب الثلاثي أكثر من مجرد تعاون دفاعي؛ فهو يمكن أن يكون، إذا تطور بصورة مدروسة، نواة لتعاون أوسع في مجالات الصناعات الدفاعية والتقنيات والتدريب والأمن البحري وتبادل الخبرات. والبيان الأخير للدول الثلاث أشار بالفعل إلى التعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير الإنتاج والتقنيات المشتركة.

لكن القوة الحقيقية لهذا التوجه لن تكون في تحويل المنطقة إلى أحلاف متصارعة، بل في العكس تمامًا: أن تكون قوة الردع وسيلة لحماية السلام، وأن يكون التعاون الدفاعي داعمًا للدبلوماسية وليس بديلًا عنها. وهذا يتوافق مع تأكيد الدول الثلاث في اجتماع إسطنبول على خفض التصعيد وضبط النفس وتشجيع الحلول السلمية للأزمات.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الرسالة الصينية بصورة أعمق. بكين لا تبدو وكأنها تقول لدول الشرق الأوسط: اختاروا الصين بدل الولايات المتحدة؛ وإنما تقول، في جوهر رؤيتها، إن المنطقة تحتاج إلى صيغة أمنية أكثر اعتمادًا على دولها نفسها، وأن القوى الدولية يمكن أن تكون شريكًا في التنمية والاستقرار.

وهذا الطرح يمنح السعودية مساحة استراتيجية واسعة؛ فكلما زادت قدرة المملكة على بناء التفاهمات الإقليمية، زادت أهميتها لدى القوى الدولية التي تبحث عن شريك موثوق ومستقر وقادر على التأثير.

لقد تغيرت وظيفة الرياض في المعادلة الدولية. لم تعد المملكة مجرد دولة نفطية ذات وزن اقتصادي، ولا مجرد قوة خليجية مؤثرة؛ بل أصبحت دولة تمتلك القدرة على المبادرة وصناعة التوازنات واحتضان التفاهمات وبناء الشراكات.

ولذلك فإن حديث السفير الصيني عن هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط يستحق أن يُقرأ من الرياض قبل غيرها. فالمملكة تمتلك معظم المقومات التي يحتاجها أي نظام إقليمي جديد: الثقل، والموقع، والموارد، والمكانة، والعلاقات، والقدرة على التأثير، والأهم من ذلك كله القدرة على الجمع بين أطراف متعددة بدل دفعها إلى الاستقطاب.

وقد يكون هذا هو التحول الأهم في المرحلة المقبلة: أن ينتقل الشرق الأوسط تدريجيًا من مرحلة كانت فيها القوى الكبرى ترسم جزءًا كبيرًا من معادلات أمنه، إلى مرحلة تشارك فيها دول المنطقة بصورة أكبر في صياغة هذه المعادلات.

وفي قلب هذا التحول تقف المملكة العربية السعودية.

فإذا كان القرن الماضي قد جعل أمن المنطقة مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتوازنات الدولية، فإن القرن الحالي قد يشهد صعود نموذج مختلف: أمن إقليمي تقوده دول المنطقة، وشراكات دولية متعددة، واقتصاد يساند الأمن، وردع يحمي السلام، ودبلوماسية تمنع الانفجار.

وفي هذا النموذج، تبدو السعودية مؤهلة لأن تكون الركيزة التي تلتقي عندها المصالح العربية والإسلامية والإقليمية والدولية.

وهنا تكمن دلالة حديث السفير الصيني: ربما لا تكون الرسالة أن الصين تريد أن تقود الشرق الأوسط، وإنما أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة جديدة ينبغي أن تكون دوله أكثر حضورًا في قيادة أمنه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يقود المنطقة من الخارج؟ بل: من يمتلك القدرة من داخل المنطقة على قيادة التوازن الجديد؟

والإجابة، في تقديري، تبدأ من الرياض .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى