كتاب الرأي

الضمير في سوق المساومة

        ✍🏻 نادية الجودي – كاتبة سعودية :

في اجتماع إداري، عُرضت قضية تتصل بحقوق طرفين، وكانت الوقائع واضحة والأنظمة حاضرة. ثم رجّحت مصلحة شخصية كفة أحدهما؛ فحصل الأول على امتياز، بينما تحمّل الثاني تبعات مصلحة بعيدة عن حقيقة القضية. وقع الظلم على صاحب الحق بسبب تعارض إنصافه مع منفعة شخص أقرب إلى دائرة القرار. عندها تحولت القضية من إجراء إداري إلى اختبار أخلاقي: هل يبقى العدل ثابتًا حين يصطدم بالمصلحة، أم يصبح الحق قابلًا للمساومة؟

هنا يبدأ السؤال الذي يكشف جوهر الإنسان: «هل هذا الفعل صواب؟» في المقابل، يستبدل بعضهم به سؤالًا أكثر مراوغة: «كيف أجعل هذا الفعل يبدو صوابًا؟» بين السؤالين تتحدد المسافة الفاصلة بين ضمير يقود القرار، ومبرّر يُستدعى بعد اتخاذه. المبادئ أعمق من شعارات تُرفع في أوقات الرخاء؛ فهي قيم راسخة تحكم السلوك، ومرجعية داخلية تضبط خيارات الإنسان عند تعارض المنفعة مع الصواب. تظهر قيمة العدل في التعامل مع الخصوم، وتتجلى الأمانة في غياب الرقابة، ويُختبر الوفاء عند تغير الظروف، ويثبت الصدق حضوره حين تصبح الحقيقة ثقيلة. حين تدخل المبادئ سوق المساومة، يتآكل جوهرها، حتى وإن احتفظت بأسمائها. قد ترتدي المساومة أسماءً كالحكمة والمرونة، ثم تتحول الأسماء إلى ستار يُستخدم على نحو انتقائي لتجميل الانحياز. يقع الظلم في أقسى صوره حين يُسلب أحد الأطراف حقه كي تتحقق مصلحة لطرف آخر، ثم تُصاغ الحكاية بلغة توحي بالحكمة والاتزان. يصبح المتضرر مطالبًا بتفهّم الظروف، بينما يُمنح المستفيد حصانة صنعتها علاقته بأصحاب القرار. هكذا تتحول المصلحة الشخصية إلى ميزان مختل، ويصبح صاحب الحق ضحية صفقة أخلاقية عُقدت على حسابه. خطورة هذا الظلم تتجاوز خسارة حق عابر؛ إذ يترك في النفس جرحًا عميقًا، ويزرع شعورًا بأن الكفاءة والأنظمة والحقائق تتراجع أمام النفوذ والمصالح. كما يرسل ظلم شخص واحد أمام الجميع رسالة صامتة مفادها أن قيمة الحقوق قد تتغير تبعًا للأسماء ودرجات القرب. في المؤسسات، يظهر الانحياز عندما تتبدل المعايير بتبدل الأشخاص؛ فيُسمّى الخطأ اجتهادًا إذا صدر عن مقرّب، وتقصيرًا إذا صدر عن شخص بعيد عن دوائر النفوذ. عندئذ تتآكل الثقة، ويتحول النظام من ميزان يحفظ الحقوق إلى أداة تخضع لمن يمسك بها. تكمن خطورة المبررات في قدرتها على إعادة تشكيل صورة الخطأ في عين صاحبه. يبدأ الأمر بتنازل صغير يبدو استثنائيًا، ثم يتكرر حتى يصبح مألوفًا، وبعد ذلك يُعاد تعريف المبدأ ليتسع للسلوك الجديد. هكذا يضعف صوت الضمير تدريجيًا، كلما مُنح المبرر مساحة أوسع. تبقى المواقف هي السيرة الأصدق للإنسان؛ حين يمتلك القوة فيختار العدل، ويقدر على الإقصاء فينصف، وتغريه المنفعة فيحفظ حقوق الآخرين.

يبقى السؤال الأجدر بالتأمل: أيُّ خسارة أشد : أن تفوت الإنسان مصلحة عابرة حفاظًا على مبدئه، أم أن يظفر بها ويكتشف أن ثمنها كان نقاء ضميره وكرامة روحه؟

للتواصل  : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى