«الهيكل الذهبي» من المعرفة إلى الأثر… تجربة تدريبية تستعيد للإنسان توازنه النفسي

✍️ هويدا زكي مريكي – كاتبة ومدربة تطوير ذاتي ومنظمة للبرامج. التطويرية والدعم الذاتي :
في عالم تتزايد فيه الضغوط المهنية والحياتية، لم يعد التدريب مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل أصبح مساحة يحتاج فيها الإنسان إلى أن يتوقف، ويعيد الاتصال بذاته، ويفهم ما يحدث داخله، ويبحث عن أدوات تساعده على استعادة توازنه.
ومن هذا المنطلق جاءت تجربتي في تقديم البرنامج التدريبي الذي أقيم في مستشفى النور التخصصي بمكة يوم 27 أغسطس 2026، والذي حمل في جوهره رسالة تتجاوز تقديم المعلومات إلى محاولة إحداث أثر نفسي وإنساني محسوس لدى الحضور.
فمنذ البداية كان هدفي واضحًا: ألا يغادر المشارك القاعة محمّلًا بالمعلومات فقط، وإنما يشعر بأنه حصل على مساحة من الدعم والوعي والتحفيز وإعادة الشحن النفسي.
التدريب الذي لا ينتهي بانتهاء القاعة
اعتمدت في البرنامج على فكرة أساسية أؤمن بها في عملي التدريبي، وهي أن المعلومة تصبح أكثر قيمة عندما يستطيع الإنسان أن يربطها بحياته اليومية.
لذلك لم يكن التركيز على الجانب النظري وحده، وإنما حاولت الربط بين المعلومة العلمية، والتطبيق العملي، والممارسات اليومية الطبيعية، وصولًا إلى تحويل بعض المفاهيم إلى خطوات يستطيع الإنسان الاستمرار عليها بعد انتهاء البرنامج.
ومن ضمن المحاور التي تم التطرق إليها الوعي بحالات الدماغ وموجاته، وكيف يمكن للإنسان أن يصبح أكثر ملاحظة لحالته الذهنية، مع التأكيد على أهمية الانتقال من مجرد معرفة المعلومة إلى استخدامها في تعزيز الهدوء والتركيز والتأمل، وغرس الأفكار الإيجابية بصورة واعية في حياتنا اليومية.
كما تناول البرنامج دور الخيال واستحضار الأفكار الإيجابية والكتابة، باعتبارها ممارسات تساعد الإنسان على التوقف مع ذاته، وملاحظة أفكاره ومشاعره، وإعادة ترتيبها بصورة أكثر وعيًا. ومع التكرار والممارسة، يمكن للدماغ أن يتعلم أنماطًا جديدة من التفكير والاستجابة، في إطار التغيرات التي تحدث في الوصلات والشبكات العصبية.
«الهيكل الذهبي»… حين تتحول الفكرة إلى ممارسة
ومن هنا جاء الربط بين البرنامج وكتابي «الهيكل الذهبي»، الذي قدمته باعتباره أداة عملية للدعم الذاتي والتطوير الشخصي.
فالفكرة ليست أن يقرأ الإنسان كتابًا ثم ينتهي الأمر، وإنما أن تتحول بعض الأفكار إلى ممارسة يومية؛ أن يتوقف الإنسان مع نفسه، يكتب، يتأمل، يراجع أفكاره، ويتعرف إلى أولوياته وقيمه وما يمنحه المعنى والقوة.
كما حرصت على إبراز أهمية الكتابة في مذكرة «الهيكل الذهبي» باعتبارها مساحة للتعبير والتأمل وإعادة ترتيب ما يدور في الداخل؛ فحين يمنح الإنسان نفسه فرصة لكتابة ما يشعر به، قد يصبح أكثر قدرة على ملاحظة مشاعر مثل الغضب، والقلق، والتوتر، والارتباك، وفهمها والتعامل معها بقدر أكبر من الوعي والهدوء.
وهذا ما أحرص عليه في برامجي: أن تكون هناك مساحة بين المعلومة والتطبيق؛ لأن التغيير الحقيقي لا يحدث بمجرد الاستماع، وإنما يبدأ عندما تتحول المعرفة إلى وعي، ثم إلى ممارسة.
النجاح الحقيقي… ما الذي بقي بعد انتهاء البرنامج؟
بالنسبة لي، لم يكن نجاح البرنامج مرتبطًا بعدد الحضور أو بانتهاء الساعات التدريبية، وإنما بما حدث بعد ذلك داخل كل شخص.
وكان من أكثر الأمور التي أسعدتني خلال التجربة أنني لمست لدى أغلب الحضور شعورًا واضحًا بالدعم والشحن النفسي الإيجابي، وهو ما جعلني أشعر بأن الهدف الذي وضعته للبرنامج قد تحقق بدرجة كبيرة.
وتأكد هذا الشعور أكثر عندما طلبت مني عدد من الحاضرات إعادة تقديم المحاضرة؛ وهو بالنسبة لي مؤشر جميل على أن التجربة لم تكن مجرد ساعات تدريبية عابرة، وإنما تركت أثرًا ورغبة في تكرارها والاستفادة منها مرة أخرى.
هذه اللحظة تحديدًا هي التي تجعلني أؤمن بأن المدرب لا يقدم معلومات فقط، وإنما يستطيع أن يصنع مساحة آمنة للتأمل وإعادة النظر في الذات.
عندما تصبح الآية مساحة للطمأنينة
اخترت أن يكون ختام البرنامج بآيات من القرآن الكريم، من باب التأمل في المعاني التي تحملها، وربطها بالمشاعر الإنسانية التي نمر بها في حياتنا.
فالإنسان قد يعيش الخوف أو القلق أو الحيرة أو الحزن، وقد يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف مع معنى يعرفه منذ سنوات، لكنه يراه في تلك اللحظة بطريقة مختلفة.
ومن هنا جاءت فكرة التأمل في الآيات؛ ليس باعتبارها مجرد كلمات تُقرأ، وإنما باعتبار ما تحمله من معانٍ يمكن أن تلامس مشاعر الإنسان وتمنحه مساحة من السكينة والطمأنينة.
وقد كان هذا الجزء من البرنامج مساحة هادئة للعودة إلى الداخل، واستحضار المعاني التي تمنح الإنسان شعورًا بالأمان والرجاء والسكينة.
رسالتي التي أريد أن تستمر
هذه التجربة في مستشفى النور التخصصي كانت بالنسبة لي أكثر من مجرد دورة تدريبية؛ كانت اختبارًا عمليًا لفكرة أؤمن بها منذ بدأت رحلتي في مجال التدريب والتطوير الذاتي:
««أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من المعلومات، بقدر ما يحتاج أحيانًا إلى أن يفهم ذاته، ويتوقف معها، ويعيد ترتيب ما بداخلها.»»
ومن هنا أواصل تقديم برامجي التطويرية والدعم الذاتي، مستندة إلى خبرتي المهنية التي تتجاوز 19 عامًا في القطاع الصحي، وإلى تجربتي في التدريب، وإلى ما قدمته من محتوى في كتابي «الهيكل الذهبي».
وأطمح أن تصل هذه الرسالة إلى مزيد من المؤسسات والجهات التي تؤمن بأهمية الإنسان داخل بيئة العمل؛ لأن الاهتمام بالإنسان ليس ترفًا، بل هو جزء أساسي من بناء بيئة أكثر وعيًا وتوازنًا وقدرة على الاستمرار.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي أضعه أمام كل شخص يشارك في برامجي:
ماذا لو أعطيت نفسك ساعة واحدة فقط… لتسمعها، تفهمها، وتعيد شحنها؟
ربما تكون تلك الساعة بداية تغيير أكبر مما تتوقع.



