
✍️ناهد شما – كاتبة رأي :
تعبتُ من الكلام عن برّ الوالدين، وتعبتُ أكثر من رؤية بعض الأبناء يتعاملون مع آبائهم وأمهاتهم وكأنهم صفحة انتهى وقتها!
سنوات طويلة قضى فيها الأب والأم أعمارهم من أجل أبنائهم؛ حملوا همومهم، وسهروا على راحتهم، وفرحوا بنجاحهم، وتحملوا أخطاءهم، وربما حرموا أنفسهم من أشياء كثيرة حتى لا يحرموا أبناءهم منها. كانوا حاضرِين في كل مراحل حياتهم، وعندما كبر الأبناء وكثرت مسؤولياتهم، أصبح الوالدان فجأة “مشغولين عنهم”!
نعم، لكل إنسان عمله وأسرته والتزاماته، ولا أحد يطلب من الابن أو الابنة أن يتخلوا عن حياتهم. وقد تكون دار الرعاية في بعض الحالات ضرورة بسبب المرض أو الحاجة إلى رعاية متخصصة. لكن المصيبة ليست في أن يحتاج الوالد إلى دار رعاية، المصيبة أن يحتاج بعدها إلى أبنائه فلا يجدهم.
أيها الابن… أيتها الابنة…
إذا وضعتَ أمك في دار للرعاية لأنها تحتاج إلى عناية لا تستطيع توفيرها في المنزل، فلا تضع قلبك معها في الخارج وتغلق الباب.
اذهب إليها واجلس بجانبها وأمسك يدها.
حدثها حتى لو لم تفهم كلامك.
ابتسم لها حتى لو لم تعرف من أنت.
وإذا كان الزهايمر قد سرق منها أسماء أبنائها وذكريات عمرها، فلا تجعلوا المرض ذريعة لتسرقوا أنتم منها أبناءها.
قد لا تعرف أمك أنك ابنتها، لكنها ستشعر بالحنان.
وقد لا يعرف أبوك أنك ابنه، لكنه سيشعر بأن هناك من لم ينسه.
وهنا يكون الاختبار الحقيقي للوفاء: أن تعطي دون أن تنتظر مقابلًا، وأن تزور دون أن تنتظر أن يتذكرك، وأن تحب دون أن تطلب من الطرف الآخر أن يثبت لك أنه ما زال يعرفك.
لا تقولوا: “نحن مشغولون.”
كلنا مشغولون.
لكن هناك أشياء إذا أجلناها قد يأتي يوم لا نستطيع فعلها أبدًا.
فزيارة الوالدين ليست موعدًا يمكن تأجيله إلى الأبد.
والجلوس إلى جوار أمك ليس أمرًا يمكن تعويضه بعد سنوات.
والقبلة على رأس أبيك ليست شيئًا تستطيع إرساله إليه بعد رحيله.
الدنيا تدور… وهذه ليست جملة نقولها للتخويف، بل حقيقة نراها كل يوم.
الأطفال يكبرون، والآباء يضعفون، والأدوار تتبدل.
من كان يمسك يدك وأنت صغير، قد يأتي يوم تبحث فيه عيناه عن يد تمسك به.
ومن كان ينتظرك أمام باب المدرسة، قد يأتي يوم ينتظر فيه عند باب دار الرعاية صوت خطواتك.
فلا تجعلوا آخر ما يتذكره آباؤكم من الحياة هو انتظار زيارة لم تأتِ.
ولا تجعلوا آخر دعائهم عليكم أنكم نسيتموهم.
عودوا إليهم ما دام في العمر بقية.
فربما لا يحتاجون منكم مالًا، ولا هدايا، ولا كلامًا كثيرًا.
ربما يحتاجون فقط أن يروا أبناءهم يدخلون من الباب.
ويا من ما زال أبوه أو أمه ينتظره…
لا تؤجل واذهب اليوم.
اجلس بقربه وقبّل رأسه.
وقل له كلمة ربما قلتها مئات المرات في طفولتك ولم تدرك يومها كم كانت تعني له:
“أنا هنا… لم أنسك.”
فبعض الأبواب إذا أُغلقت إلى الأبد، لن تنفعنا بعدها كل الأعذار.
للتواصل : [email protected]



