تغطيات وتقارير

غريد جحا.. الفن بين دقة التفاصيل وحرية التعبير

عنوان – لبنان – نورة المعطاني:

حاورتها: شيماء محمد – الشريك المؤسس لمقهى أرجوحة شرقية الأدبي :

في هذا الحوار نلتقي بالفنانة اللبنانية غريد جحا التي جعلت من الفن مساحةً للتعبير والبحث عن الجمال. وُلدت في بيروت عام ١٩٨٦م، وحصلت على إجازة في اللغة الفرنسية وشهادة في التصميم الفني (غرافيك ديزاين) وهي عضو في نقابة مصممي الغرافيك في لبنان منذ أكثر من عشر سنوات.

تتخصص في رسم لوحات البورتريه بتقنية الواقعية المفرطة (hyper realistic) باستخدام أقلام الرصاص والفحم وقد شاركت في العديد من المعارض داخل لبنان وخارجه حاملةً تجربتها الفنية إلى مساحات متنوعة.

في هذا اللقاء الذي سعد به مقهى “أرجوحة شرقية” الأدبي نقترب من تجربتها ورؤيتها للفن.

فإلى التفاصيل.

1.ما الذي بدأتِ ترينه في الأشياء بعد أن أصبحتِ تنظرين إليها بعين الفنانة؟

منظور الفنان للأشياء، وحتى للأشخاص، أعتقد أنه يختلف عن منظور الآخرين. الفنان لا ينظر إلى الأشياء بشكلها الظاهر فقط، بل يحاول أن يرى ما تخبئه من إحساس وتفاصيل وحكايات. أحياناً قد يرى في مشهد عادي جداً شيئاً جميلاً لا يلفت انتباه الآخرين. الفنان ينظر إلى الأشياء بإحساس عالٍ، ويمكنه أن يفهم الإنسان من نظرة عينه أو من لمعانها، ومن تفاصيل صغيرة قد لا ينتبه إليها غيره. ويمكنه أن يرى الجمال حتى في مشهد يبدو سوداوياً، لأن الجمال بالنسبة للفنان ليس دائماً في الأشياء الجميلة بحد ذاتها، بل أحياناً في التناقض، وفي الحزن، وفي التجاعيد، وفي الأشياء التي تحمل أثراً من الحياة. 

2. هل تغيّرت علاقتكِ بالصمت منذ بدأتِ الرسم، وهل أصبح للصمت حضور في أعمالكِ؟

الرسم أو أي نوع من الفنون هو تعبير صامت، لكنه في الوقت نفسه لغة الروح. الفنان يستطيع أن يقول الكثير من خلال لوحة دون أن يتكلم، وقد تعبّر خطوط اللوحة ونظرات الشخصيات فيها عن مشاعر لا تستطيع الكلمات أحياناً أن تقولها. بالنسبة لي، الصمت مساحة تولد فيها الأفكار والمشاعر، ومنها يولد الفن. أعتقد أن أي صمت يمكن أن يكون ولادة لفن ما، لأن الإنسان عندما يصمت يبدأ أحياناً بالاستماع إلى الأشياء الموجودة في داخله، والفنان يحوّل هذا الصوت الداخلي إلى عمل يراه الآخرون.

3. ما الشيء الذي يمكن أن تقوليه بالفرشاة ولا تجدين له التعبير نفسه بالكلمات؟

كل المشاعر يمكن أن تُترجم بالفرشاة والقلم، وأحياناً يصعب التعبير عنها بالكلمات. هناك مشاعر قد تكون أعمق من اللغة، أو أدق من أن تختصر بكلمات. يمكن لنظرة في لوحة، أو لون، أو ظل، أو حتى خط بسيط أن يقول شيئاً لا نستطيع قوله بالكلام. لذلك أجد أن الفرشاة تمنحني مساحة واسعة لأعبّر عن أشياء قد لا أجد لها التعبير نفسه بالكلمات.  

4. هل هناك فكرة تلاحقكِ فنيًا، لكنكِ لم تجدي شكلها المناسب على اللوحة بعد؟

الكثير من الأفكار تلاحقني، ومن الأفكار التي تراودني فكرة رسم قصيدة مرسومة على غرار قصيدة مغنّاة. بعض الأشعار أو الأغاني تحمل صوراً ومشاهد ومشاعر تستحق أن تُجسّد بلوحة، وكأنني أحاول أن أحوّل الكلمات إلى خطوط، والإحساس إلى صورة. أحب فكرة أن يقرأ المتلقي اللوحة كما يقرأ قصيدة الشعر، وأن يشعر بها كما يشعر بأغنية،

5. ما الذي يهمكِ أكثر في مسيرتكِ الفنية: أن تكتشفي ما يشبهكِ أم أن تتحرري مما يشبه الآخرين؟

أفضل أن أكتشف ما يشبهني، ولو كان يشبه الآخرين، لأن هناك أناساً متشابهين في أشياء كثيرة، وربما أجد من يشبهني في التعبير بالرسم. بالنسبة لي، الاختلاف لا يعني بالضرورة أن أبحث عن شيء لم يفعله أحد من قبل أو يشبه أحد غيري، بقدر ما يعني أن أجد طريقتي الخاصة في رؤية الشيء والتعبير عنه. قد نرسم الموضوع نفسه، أو نتأثر بالمشهد نفسه، لكن كل فنان يضع شيئاً من روحه في العمل، وهذا ما يصنع خصوصيته.

6. هل مرّت بكِ لوحة شعرتِ أنها كشفت لكِ شيئًا عنكِ أكثر مما كنتِ تقصدين؟

صور العجائز عادة، اي عندما ارسم بورتريه للعجائز وهو ما أفضله، دائماً أجد في ثنايا تجاعيد وجههم تجارب عشناها وبعضها تأسرني فتجاعيد الجبين تصور دهشات متتالية وتجاعيد طرف العيون ابتسامات عاشوها ونعيشها يومياً وتجاعيد اليأس والحزن والفرح والأمل، كل صورة عجوز هي كشف لأشياء داخلنا. 

7. عندما لا تعجبكِ النتيجة، هل تنظرين إلى ذلك بوصفه فشلًا في اللوحة أم فرصة لفهم ما تريدينه؟

لا أنظر إلى أي خلل على أنه فشل، بل أتعلم من الخطأ لأطوّره وأتجنبه في المرات القادمة. بالنسبة لي، الخطأ جزء من التجربة الفنية، وأحياناً يكون الخطأ هو الذي يعلّم الفنان أكثر من العمل الذي نجح فيه من المرة الأولى. أنا أؤمن بأنه لا يوجد إنسان فاشل، بل يوجد إنسان يائس مستسلم أفشل نفسه عندما يقرر التوقف عن المحاولة. لذلك أرى أن كل خطأ هو تجربة جميلة، لأنه يمنحنا معرفة جديدة ويعلّمنا كيف نطوّر أنفسنا ونقترب أكثر مما نريد أن نكون عليه. الفنان لا يتوقف عن التعلم، وكل لوحة هي خطوة باتجاه لوحة أخرى. 

8. ما المسافة التي تحبين أن تبقى بينكِ وبين المتلقي؛ هل تريدين أن يفهم عملكِ أم أن يراه بطريقته؟

أفضل أن يراها المتلقي بطريقته، لأن اللوحة، كما قلت، هي لغة الروح. لا أحب أن أضع أمام المتلقي فكرة معلبة وأقول له: هذه هي الفكرة التي يجب أن تراها. أفضّل أن أترك مساحة للخيال، وأن أترك لكل إنسان أن يقرأ اللوحة بحسب تجربته ومشاعره وذكرياته. قد يرى شخص في اللوحة حزناً، ويرى آخر أملاً، وقد يرى ثالث شيئاً لا يخطر في بالي أنا نفسها. وهذا بالنسبة لي ليس اختلافاً، بل جمال الفن الحقيقي. عندما تخرج اللوحة من عند الفنان، تصبح لها حياة أخرى في عين كل من يراها.

9. هل يمكن للوحة أن تحتفظ بشيء من صاحبتها حتى بعد أن تغادرها إلى معرض أو إلى يد مقتنٍ؟

أكيد، اللوحة تحتفظ بروح وإحساس صاحبها، فقد أمضى معها وقتاً بكل تفاصيلها. الفنان لا يرسم اللوحة وينتهي منها فقط، بل يعيش معها أثناء ولادتها؛ يضع فيها أفكاره ومشاعره ووقته وتعبه وفرحه وحتى لحظات تردده. لذلك أعتقد أن شيئاً من روح الفنان يبقى في العمل حتى بعد أن يغادره إلى معرض أو إلى يد مقتنٍ. قد تصبح اللوحة ملكاً لشخص آخر، لكن الإحساس الذي وُلدت منه يبقى جزءاً منها إلى الأبد.

10. ما الشيء الذي لا تريدين أن يتحول إليه فنكِ مهما تطورت تجربتكِ؟

لا أحب أن يتحول فني إلى مادة تجارية يكون هدفها فقط مادياً، لأنني أرى في الرسم متعة لا يمكن أن تشوّهها المادة. بالطبع، الفنان يحتاج إلى أن يقدّر قيمة عمله وأن يقدّر الجانب المادي للفن، لكنني لا أريد أن يصبح المال هو السبب الأساسي الذي يجعلني أرسم. بالنسبة لي، الرسم قبل أن يكون مهنة أو منتجاً هو متعة وحالة وشغف ومساحة أعبّر فيها عن نفسي. أخاف أن أفقد هذه المتعة إذا أصبح الفن مجرد وسيلة للبيع، لأنني أؤمن أن العمل الذي لا يحمل إحساساً حقيقياً يصعب أن يصل إلى إحساس الآخرين.

11. لو عدتِ إلى أول لوحة رسمتِها اليوم، ماذا ستقولين لتلك الفنانة التي كنتِها؟

أقول لتلك الفنانة، ولأي فنان خط أول خط وكان مستمتعاً بما عمل مهما كان بسيطاً: أكمل، وشجّع نفسك، وانبهر بعملك. لا تنتظر دائماً أن يأتي الآخرون ليخبروك أنك جيد، لأن عليك أولاً أن تؤمن بما تفعله. لا تخف من الخطأ، ولا تخجل من البدايات البسيطة، فكل فنان كبير بدأ بخط أول، وبمحاولة أولى، وربما بأعمال لم تكن كاملة. المهم ألا تقتل الفنان الموجود بداخلك بسبب الخوف أو المقارنة أو رأي الآخرين. فمن بداخله فنان، لا يقتله إلا إذا استسلم له.

12. ما السؤال الذي تتمنين أن تقودكِ إليه لوحاتكِ المقبلة، لا أن تجيب عنه؟

أتمنى أن تقودني لوحاتي المقبلة إلى أسئلة أكثر من أن تقودني إلى إجابات. أحب أن يكون الفن مساحة للتأمل، لا مكاناً للإجابات الجاهزة.

ربما تقودني لوحاتي إلى سؤال عن الإنسان: ماذا يخفي خلف ملامحه؟ ماذا تقول عيونه ولا يقوله لسانه؟ وما الذي تتركه الحياة فينا مع مرور السنوات.

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى