من اتفاقية مكة إلى حلف مكة.. الرياض مركز التحالف الدفاعي الجديد

✍️ العميد .م. ندى الخمعلي – كاتب رأي :
لم تعد اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان مجرد وثيقة سياسية تؤكد التضامن بين ثلاث دول، بل بدأت تتحول إلى منظومة دفاعية مؤسسية تحمل ملامح تحالف إقليمي جديد، بعدما اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة للحلف في المملكة العربية السعودية، في خطوة تؤكد الانتقال من مرحلة الاتفاق إلى مرحلة بناء المؤسسات والآليات التي تجعل التعاون الدفاعي أكثر فاعلية واستدامة.
وجاء الاجتماع الأول للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية المنبثقة عن اتفاقية مكة في إسطنبول في 31 أغسطس 2026، ليكشف بوضوح أن الاتفاقية دخلت مرحلة جديدة من التنفيذ. فقد اتفقت السعودية وتركيا وباكستان على اتخاذ خطوات إضافية لمأسسة التعاون، وتعزيز التضامن والردع والدفاع الجماعي، إلى جانب تطوير التعاون في الصناعات الدفاعية والتقنيات والإنتاج المشترك .
واللافت أن الأمانة الجديدة ستكون في المملكة العربية السعودية، برئاسة أمين عام، على أن يتولى شخصية من باكستان قيادة الأمانة خلال المرحلة الأولى لمدة ثلاث سنوات. وهذا التطور يمنح الرياض موقعًا محوريًا في البنية المؤسسية للحلف، فهي ليست فقط إحدى الدول المؤسسة، وإنما أصبحت مقر الجهاز الذي سيتولى دعم أعمال الدول الثلاث وتنسيق التعاون بينها .
وإذا كانت اتفاقية مكة قد أرست مبدأً بالغ الأهمية، وهو أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره اعتداءً عليها جميعًا، فإن إنشاء الأمانة يمثل خطوة عملية لتحويل هذا المبدأ إلى آليات تعاون وتنسيق وردع أكثر انتظامًا. ولهذا بدأت وسائل إعلام دولية في التعامل مع التطور الجديد باعتباره انتقالًا من «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» إلى «تحالف دفاع مكة».
وتكمن أهمية هذا التحالف في أنه لا يقوم فقط على القوة العسكرية، بل يسعى إلى بناء منظومة متكاملة تشمل رفع جاهزية القوات المسلحة، وتعزيز قابلية العمل المشترك، وتطوير الصناعات الدفاعية، والبحث والتقنية والإنتاج المشترك، وهي عناصر تجعل التعاون بين الدول الثلاث أكثر عمقًا من مجرد التنسيق السياسي في أوقات الأزمات.
كما أن اختيار المملكة مقرًا للأمانة يحمل دلالة استراتيجية مهمة؛ فالسعودية بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها الإقليمية، تستطيع أن تؤدي دورًا محوريًا في صياغة منظومة أمن إقليمية أكثر اعتمادًا على الشراكات بين دول المنطقة، مع التأكيد على أن التحالف ــ وفق البيانات الرسمية ــ يستهدف الدفاع والردع وحماية الأمن والاستقرار، وليس التدخل في شؤون الدول الأخرى .
ولا يعني ذلك أن «حلف مكة» أصبح نسخة مطابقة لحلف شمال الأطلسي؛ فالمقارنة بينهما تحتاج إلى قدر من الحذر، إذ لا يزال التحالف الجديد في مرحلة بناء مؤسساته وآلياته، ولا يملك حتى الآن البنية العسكرية المتكاملة والقيادة الموحدة والقوات الدائمة التي تميز حلف الناتو. لكن الاتجاه العام واضح: هناك إرادة سياسية للانتقال من التعاون الدفاعي إلى تحالف دفاعي مؤسسي.
ومن زاوية أوسع، فإن هذه الخطوة تعكس تحولات في مفهوم الأمن الإقليمي، حيث تتجه دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها الدفاعية وعدم الاعتماد على مظلة أمنية واحدة. وتأتي الشراكة السعودية التركية الباكستانية في هذا السياق باعتبارها نموذجًا لتعاون يجمع بين الثقل السياسي والاقتصادي السعودي، والخبرة العسكرية والصناعية التركية، والقدرات العسكرية الباكستانية.
وقد يكون التطور الأهم في المرحلة المقبلة هو مسألة توسع التحالف، إذ أشارت التصريحات الرسمية إلى أن الإطار يظل منفتحًا على شراكات ومشاركة دول أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال تحوله مستقبلًا إلى إطار أوسع للأمن والدفاع بين عدد من الدول الإسلامية والإقليمية.
إن «حلف مكة» ــ إذا استمر هذا المسار المؤسسي ــ قد لا يكون مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل نواة لترتيب أمني جديد في المنطقة. ومن هنا تأتي أهمية وجود أمانته في السعودية؛ فالرياض لا تستضيف مقرًا إداريًا فحسب، وإنما تستضيف مركزًا لتنسيق منظومة دفاعية ناشئة، قد يكون لها أثر كبير في معادلات الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
وبذلك يمكن القول إن مكة كانت نقطة ولادة الاتفاق، والرياض أصبحت مركز مؤسساته؛ وبين مكة والرياض تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التعاون الدفاعي، عنوانها الردع المشترك، وتكامل القدرات، وتعزيز أمن الدول الأعضاء، والمساهمة في استقرار المنطقة.
إنها، في جوهرها، نقلة من «اتفاقية مكة» إلى «حلف مكة»؛ ومن إعلان المبادئ إلى بناء المؤسسات، ومن التضامن السياسي إلى التعاون الدفاعي المنظم، في تطور يضع المملكة العربية السعودية في قلب معادلة الأمن الإقليمي الجديدة.
للتواصل : [email protected]



