كتاب الرأي

الإعلام التنموي واستدامة صناعة السياحة.. الباحة أنموذجًا

      ✍️ د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب رأي :

حين كتبت سابقًا في صحيفة مكة، يوم الخميس 19 رجب 1447هـ الموافق 8 يناير 2026م، مقالًا بعنوان «شتاء الباحة والتنمية السياحية المستدامة»، كان الحديث يدور حول أهمية الانتقال بالسياحة في منطقة الباحة من الموسمية إلى الاستدامة، والاستفادة من التنوع الجغرافي والمناخي والثقافي الذي تتميز به المنطقة، بما يجعل السياحة رافدًا تنمويًا واقتصاديًا ممتدًا على مدار العام.

ثم عدت إلى الفكرة من زاوية أخرى في مقال «الباحة وجهة السياحة.. نقطة من أول السطر»، المنشور بتاريخ 12 يونيو 2026م، حين تناولت ما تمتلكه المنطقة من مقومات طبيعية وتراثية وأثرية، وما يمكن أن تصنعه السياحة من أثر اقتصادي في قطاعات الإيواء والنقل والتجزئة والمنتجات المحلية، وما تتيحه من فرص للمزارعين والنحالين والحرفيين والأسر المنتجة. كما أشرت إلى أن استدامة السياحة تستلزم تكامل المقومات الطبيعية والتراثية مع المشروعات التنموية والاستثمارية، حتى تصبح الباحة وجهة ممتدة على مدار العام.

ولأن السياحة لا تنفصل عن التاريخ، فقد تناولت في مقال «في الباحة.. طريق الفيل أم طريق التجارة القديم أم طريق الحج الأعلى؟.. قراءة تاريخية»، المنشور بتاريخ 18 يوليو 2026م، جانبًا من القيمة الحضارية والأثرية للمنطقة، وأهمية البحث العلمي والتوثيق الميداني للمواقع والطرق التاريخية والنقوش والمعالم الحضارية، وعدم الاكتفاء بالرواية المتداولة ما لم تسندها الأدلة. كما برزت الحاجة إلى بناء قدرات علمية محلية متخصصة في الآثار والتراث، بما يسهم في صون هذا الإرث وتحويله إلى مورد معرفي وتنموي للأجيال القادمة.

ومن هنا يأتي هذا المقال امتدادًا لهذه الرؤية، ولكن من زاوية الإعلام التنموي؛ فالسؤال لم يعد فقط: ماذا تمتلك الباحة من مقومات سياحية؟ وإنما: كيف يمكن للإعلام أن يحول هذه المقومات إلى فرص، وأن يبني قدرات أبناء المنطقة، وأن يجعل المجتمع المحلي شريكًا في صناعة التنمية السياحية والاستفادة من عوائدها؟

فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للمشهد السياحي، ولا ينبغي أن تقتصر مهمته على تصوير المواقع الجميلة، أو الإعلان عن الفعاليات، أو زيادة أرقام المشاهدات والتفاعل، وإنما يمكن أن يصبح أحد أهم الأدوات التي تبني القدرات المحلية، وتصنع الفرص، وتربط الإنسان بمقومات منطقته، وتحول السياحة من موسم عابر إلى نشاط اقتصادي واجتماعي مستدام.

وهذا التوجه يجد في منطقة الباحة بيئة خصبة للنمو، في ظل ما تشهده المنطقة من حراك تنموي متواصل بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة الباحة، ومتابعة صاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بن تركي، نائب أمير المنطقة؛ حيث تتكامل الجهود لدعم القطاعات التنموية، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتعزيز البيئة الاستثمارية، ورفع جودة الخدمات، وربط التنمية باحتياجات الإنسان والمكان.

ومن هذا المنطلق يمكن أن نطرح مفهوم «الإعلام التنموي السياحي»، وهو إعلام لا يسأل فقط: كيف نجذب السائح؟ وإنما يسأل كذلك: من سيستفيد من حضوره؟ وكم فرصة يمكن أن تنشأ من زيارته؟ وكيف يستطيع أبناء المحافظة والقرية أن يكونوا جزءًا من هذه الصناعة؟ وكيف تتحول ثروة المكان الطبيعية والثقافية والتاريخية إلى قيمة مستدامة تحفظ المورد وتزيد العائد وتحسن جودة الحياة؟

البداية في رأيي يجب أن تكون من الإنسان.

فيمكن إطلاق برنامج لتأهيل «إعلاميي التنمية والسياحة» من شباب وشابات المنطقة، يتضمن التدريب في التصوير وصناعة المحتوى والتحرير والإنتاج المرئي والتسويق الرقمي والسرد القصصي، مع ربط التدريب بممارسة فعلية ومشروعات سياحية قائمة. فالمقصود ليس إضافة دورة تدريبية جديدة إلى سجل المتدرب، وإنما صناعة مهارة قابلة للتحول إلى وظيفة أو مشروع أو مصدر دخل.

ويتكامل مع ذلك تأسيس فكرة «سفراء المحافظات السياحيين»، بحيث يكون في كل محافظة عدد من أبناء وبنات المكان القادرين على اكتشاف قصصها وتوثيق مواقعها وتراثها ومنتجاتها وتجاربها، ليصبح كل مجتمع محلي قادرًا على رواية قصته بنفسه.

ويمكن أن يتطور هذا المسار إلى مشروع نوعي بعنوان «كل محافظة تحكي نفسها»، تُمنح من خلاله المحافظات أدوات التدريب والإنتاج، ثم تتنافس في تقديم أفضل القصص والمواقع والتجارب والمشروعات المحلية.

وعندما ينتج محتوى إعلامي عن قرية أو موقع سياحي، يجب ألا تنتهي القصة عند جمال المكان، وإنما تمتد إلى المزارع والنحال والحرفي والأسرة المنتجة والمقهى المحلي والنزل الريفي والمرشد السياحي. ومن هنا يمكن إطلاق مسار «من المزرعة إلى السائح»، بحيث يُستخدم الإعلام لربط الزائر بصورة مباشرة بالمنتج المحلي.

وهذا من صميم الاستدامة؛ لأن نجاح السياحة لا يقاس بعدد الزائرين وحده، وإنما بحجم القيمة التي تبقى داخل المجتمع بعد مغادرتهم.

وتكتسب هذه الفكرة بعدًا أكثر أهمية حين نربطها بالإرشاد السياحي والموروث الثقافي والآثار والمعلومات التاريخية؛ فالمرشد السياحي لا ينبغي أن يكون مجرد دليل للطريق، بل راويًا واعيًا لهوية المنطقة، قادرًا على تقديم المعلومة التاريخية الموثوقة، وشرح الموروث الثقافي، والتعريف بالمواقع الأثرية، وربط المكان بسياقه الإنساني والاجتماعي.

فالمنطقة لا تُقرأ من طبيعتها وحدها، وإنما من تاريخها، وقراها القديمة، وعمارتها، وطرقها، ونقوشها، ومواقعها الأثرية، وما ارتبط بها من أحداث وروايات وذاكرة محلية تراكمت عبر أجيال.

وهنا تظهر أهمية تأهيل مرشدين سياحيين من أبناء المنطقة معرفيًا ومهنيًا، بحيث يمتلكون مادة دقيقة عن التاريخ والآثار والموروث المحلي، ويستطيعون التمييز بين الحقيقة التاريخية والرواية الشعبية والأسطورة. فالأسطورة والحكاية الشعبية ليستا بالضرورة حقيقة تاريخية، ولكنهما جزء من الذاكرة الجمعية، ويمكن توظيفهما سياحيًا متى قُدِّمتا بوصفهما موروثًا شفهيًا، لا حقيقة موثقة.

وينطبق الأمر نفسه على الأهازيج والأشعار والأمثال والألوان الشعبية والعادات والحرف والممارسات الاجتماعية؛ فهي تشكل جانبًا مهمًا من التراث غير المادي، ويمكن أن تتحول إلى عنصر أصيل في التجربة السياحية إذا قُدمت في سياق يحفظ معناها وأصالتها.

أما التراث المادي، بما يشمله من القرى القديمة والحصون والقلاع والمباني التاريخية والأدوات والأسواق والطرق والمواقع الأثرية، فإنه يمثل رأس مال ثقافيًا وتنمويًا، لا مجرد بقايا من الماضي.

ومن هنا يمكن التفكير في إنشاء «المسار الثقافي للباحة»، أو مجموعة مسارات متخصصة تربط الآثار والمواقع التاريخية بالعمارة المحلية والموروث الشفهي والأهازيج والحرف والمأكولات، بحيث لا ينتقل الزائر من موقع إلى آخر فقط، بل ينتقل من قصة إلى قصة ومن زمن إلى زمن.

كما يمكن إعداد «ملف معرفي سياحي» لكل موقع مهم، يضم تاريخه ومصادره ورواياته وصوره القديمة وما يرتبط به من تراث مادي وغير مادي، ليكون مرجعًا للمرشد السياحي وصانع المحتوى والباحث والإعلامي.

وهنا تتأكد مسؤولية الإعلام التنموي في عدم الاكتفاء بالجاذبية البصرية؛ فالمكان الجميل قد يجذب الزائر مرة، لكن المعرفة العميقة بالمكان تصنع ارتباطًا به، وتحوله من صورة عابرة إلى تجربة باقية في الذاكرة.

ومن الأفكار المهمة كذلك إنشاء برنامج «صانع تجربة الباحة»، لتدريب أصحاب المزارع والأسر المنتجة والمرشدين والحرفيين ورواد الأعمال على تحويل ما لديهم من مقومات إلى تجارب سياحية متكاملة.

فزيارة مزرعة قد تتحول إلى تجربة تبدأ بجولة تعريفية، ثم مشاركة في قطف محصول موسمي، ثم التعرف على قصة المنتج، ثم شرائه من صاحبه مباشرة. وزيارة الحرفي يمكن أن تتحول من مجرد مشاهدة إلى تجربة يمارس فيها الزائر جزءًا من الحرفة ويتعرف على تاريخها وأدواتها ودلالاتها الثقافية.

وهنا ينتقل الاقتصاد السياحي من بيع المكان إلى صناعة التجربة، دون استنزاف للمورد، وهو أحد أهم أبعاد الاستدامة.

ويمكن أن يخدم ذلك إنشاء «مختبر المحتوى السياحي»، بالتعاون بين الجهات المعنية والجامعات والقطاع الخاص، لتطوير قدرات المصورين والمصممين والكتاب وصناع الأفلام، وإنتاج محتوى احترافي متعدد اللغات، مع بناء قاعدة بيانات للكفاءات المحلية.

ويمكن لهذه القاعدة أن تتحول إلى «سوق للمحتوى المحلي»، بحيث تحصل الحملات السياحية والمشروعات والفعاليات على خدماتها من أبناء المنطقة قدر الإمكان؛ فتتحول الأموال التي تنفق على الإعلام إلى جزء من الدورة الاقتصادية المحلية، وتصبح صناعة المحتوى نفسها قطاعًا يولد فرص العمل والدخل.

ولا تكتمل هذه المنظومة دون الاهتمام بالمستثمر. ومن هنا تأتي فكرة «نافذة المستثمر السياحي»، التي لا تتحدث معه بلغة الإعلان، وإنما بلغة الفرص: ماذا تحتاج المحافظة؟ أين توجد الفجوات في الإيواء؟ وما المواقع المناسبة لتجارب ريفية أو ثقافية؟ وما الاحتياجات المرتبطة بالمطاعم والنقل والمغامرات والخدمات؟ ويمكن للإعلام هنا أن يكون حلقة وصل بين الفرصة ورأس المال.

أما الاستدامة الزمنية، فتحتاج إلى التفكير في الباحة باعتبارها وجهة ممتدة طوال العام؛ وهو مسار بدأ الحديث عنه في مقالي «شتاء الباحة والتنمية السياحية المستدامة» في يناير 2026م، ثم تعزز في مقال «الباحة وجهة السياحة.. نقطة من أول السطر» في يونيو من العام نفسه، ويمكن أن يتبلور اليوم في فكرة «الباحة 365»، بحيث يكون لكل فصل وموقع تجربته وهويته ومنتجاته الخاصة، وتستفيد المنطقة من التنوع بين السراة وتهامة بدل اختزال نشاطها السياحي في موسم واحد.

وحتى تكون هذه الأفكار قابلة للقياس، فإن الإعلام التنموي يحتاج إلى مؤشرات مختلفة. فبدل أن يكون النجاح: «حققنا مليون مشاهدة»، يصبح السؤال: كم شابًا وشابة تم تدريبهم؟ كم مشروعًا محليًا استفاد؟ كم تجربة سياحية نشأت؟ كم فرصة استثمارية برزت؟ كم منتجًا محليًا زادت مبيعاته؟ وكم موقعًا تاريخيًا أو أثريًا أصبح معروفًا بطريقة علمية صحيحة؟ وكم عنصرًا من عناصر التراث جرى توثيقه وحمايته وإعادة تقديمه للأجيال؟

ويمكن كذلك إنشاء «مرصد للسمعة السياحية» لرصد انطباعات الزوار وتحليل الملاحظات وتحويلها إلى فرص للتحسين، إلى جانب إطلاق «تحدي أفضل تجربة محلية»، وتطوير مسارات متخصصة للتراث والعسل والقهوة والزراعة والعمارة والمشي والتصوير والأسواق والطرق التاريخية.

ثم يأتي مشروع «مئة قصة تنموية من الباحة» ليكون الذاكرة الإنسانية لهذا الحراك؛ مئة قصة سنويًا عن شاب وجد فرصة، أو أسرة حولت منتجًا إلى مشروع، أو مزارع أصبح جزءًا من تجربة سياحية، أو قرية استعادت حضورها، أو حرفي حافظ على موروثه، أو موقع تاريخي أعيد اكتشاف قيمته.

هذه القصص هي أصدق أشكال الإعلام التنموي؛ لأنها لا تتحدث عن التنمية نظريًا، وإنما تجعل الناس يرون أثرها في الإنسان والمكان.

إن الجهود التي يقودها سمو أمير منطقة الباحة وسمو نائبه في دعم قطاعات المنطقة، وتمكين الإنسان، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز التكامل بين الجهات، تمنح هذه الأفكار بيئة مواتية للتحول من مقترحات إلى برامج عملية، وتؤكد أن التنمية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل منظومة تتكامل فيها المؤسسات والمجتمع والقطاع الخاص.

والاستدامة في جوهرها ليست أن يستمر المشروع سنوات فقط، وإنما أن يستمر أثره؛ أن يبني قدرة لا تزول بانتهاء الفعالية، وأن يخلق فرصة تستمر بعد الموسم، وأن يحفظ موردًا طبيعيًا، ويصون أثرًا تاريخيًا، ويوثق رواية، وينقل موروثًا للأجيال، ويحافظ على التراث المادي وغير المادي، ويجعل المجتمع المحلي شريكًا حقيقيًا في التنمية وعوائدها.

وعندما نصل إلى هذه المرحلة، فإن الإعلام لن يسأل فقط: ماذا حدث اليوم في السياحة؟

بل سيسأل السؤال الأهم:

ماذا صنع هذا الحدث للغد.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى