«الحكمةُ ضالَّة المؤمن» في مرآة الكاتب :(ابن الأثير )

✍️محمد سلطان الأمير – كاتب رأي :
تتسم تلك المقولة المأثورة بالوجازة
في الألفاظ والدقة المتناهية في إصابة المعاني المنضوية تحت لوائها.
وآية ذلك أنها مكونة من ثلاث كلمات فقط اتخذت «الجملة الاسمية» عماداً لها بواسطة عنصريها الأساسيين «المبتدأ والخبر».
والدلالة المستنبطة منها هو «الثُبوت والاستمرار »وفقاً لمادرج عليه علماء اللغة في التفريق بينها وبين الجملة الفعلية.
وهي من الناحية البيانية نموذج فريد من نماذج «التشبيهات البليغة» في تراثنا الخالد ،حيث تبدو الحكمة المنشودة كالضالة المفقودة الخفية عن متناول أيدي الدهماء ومن إليهم من اللاهية قلوبهم ،بينما هي متاحة لأصحاب الفكر الثاقب المستنير واللماحية العالية.
إن «الضالّة» هنا يمكن أن تكون إشارة إلى مبلغ ما وصلت إليه الحضارة الإسلاميَّة في سالف عهدها المجيد حين لم يستنكف روادها عن
الاستفادة من ثقافات الأمم الأخرى المعاصرة لها أو حتى السابقة عليها
سواء في الصين أو في مصر الفرعونية والهند وفارس وغيرها، يوم كانت قنوات النقل الواعي والترجمة، أو التعريب في قمة أنشطتها ..
في هذا الصدد يشير الدكتور:علي النملة في مقالة طويلة له سمّاها (جَدَلِيَّةُ التَّمَاضِيْ وَالتَّحْيِيْن»- إلى تلك المقولة بقوله:
« إنها تدعو إلى تلقِّي العلم ولو في الصين،والصين – هنا – قد لا تعني الجهويَّة، بقدر ما تعني قدرًا من التعارُف والتعاوُن والتحالُف بين الشعوب والأمم وتبادُل المعارف والحِكَم أيًّا كان مكانُها أو مصدرها شرقًا أم غربًا»
ومما يتساوق مع تلك الحكمة وينسجم معها قول شاعر قديم لعله الطغرائي:
لا تحقِرنَّ الرأيَ وهو موافقٌ
حُكمَ الصوابِ إِذا أتَى من ناقصِ
فالدُّرُ وهو أجلُّ شَيءٍ يُقْتَنَى
ما حَطَّ قيمتَهُ هوانُ الغائصِ!
***************
– «ابن الأثير » والمقولة المأثورة وجهاً لوجه.
في كتابه الذائع: «المثل السائر » وتحت عنوان :«في الحكمة التي هي ضالّة المؤمن» يستهل ابن الأثير حديثه الماتع المستمد من تجاربه الخاصة ناسباً تلك المقولة السائرة على الألسن إلى النبي عليه الصلاة والسلام على هذا النحو :«الحكمة ضالَّة المؤمن فهو أحقُّ بها إذا وجدها»
وقد تصدّى «أصحاب الحديث» لتلك المقولة ونفوا نسبتها إلى سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام في استطرادات طويلة لايتسع المجال لها الآن، وغاية ماتوصلوا إليه :» أنها من أقوال بعض السلف»،على أن بعض الخطباء نسبها إلى «لقمان الحكيم » وبعضهم نسبها إلى الإمام علي عليه السلام.
كما أن الميداني أوردها في كتابه مجمع الأمثال مجردة من أي نسبة وعلق عليها تعليقاً موجزاً بقوله: «إن المؤمن يَحْرِصُ على جَمْع الحكم، من أين يجدها يأخذها»
والذي يعنيني في هذا الصدد انعكاسات صحة هذه المقولة اللامعة على فهم «ابن الأثير» وذوقه وواقع حياته خلال سلسلة من الأحداث مرّ بها هو شخصياً ورأى أن يبسط الحديث عنها بسطاً شائقاً في كتابه المذكور .
ومن شدة إيمانه بمضمونها وإعجابه بصواب معناها في دنيا الحياة طفق يفسرها تفسيراً ينم عن انفتاحه الفكري ونباهته المشحوذة في عالم اللغة والأدب والنقد القديم ،على ما سنرى
في السطور التالية:
«والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها، كما يقال: “رب رمية من غير رام”، وهذا لا يخص علمًا واحدًا من العلوم، بل يقع في كل علم، والمطلوب منه ههنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة، دون غيره.»
__________________
-مواقفه الشخصية في ضوء الحكمة تلك :
«ومذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كَدِّي في تتبُّع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم ما يقوله، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددًا، وأنا أذكر منها طرفًا يستدل به على أشباهه ونظائره.
فمن ذلك أنِّي سرت في بعض الطرق يصحبني رجل بدوي من الأنباط
لا يعتدُّ بقوله، فكان يقول: «غدًا ندخل البلد وتشتغل عني»،وكان الأمر كما قال، فدخلت مدينة حلب وشغلت عنه أيامًا.
ثم لقيني فقال لي: «مَنْ تَرَوَّى فَتُرَتْ عِظَامُه»،وهذا القول من الأقوال البليغة, وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند مؤمني الفصاحة والبلاغة.
ثم إني سمعت بعد ذلك شيئًا يناسب قوله الأول، فإني سافرت إلى صاحب في حلب في شيء أخذته منه، فاستقلَّه، وقال: «الماء أروى لشدوق النيب»،وهذا أيضًا من الحكمة في بابها.
-موقف آخر:
وسافرت مرة أخرى على طريق المناظرة، وكان في صحبتي رجل بدوي، فسألته عن مسافة ما بين تدمر وأراك فقال: «إذا خرج سرحاهما تلاقيا» ،فعبَّر عن قرب المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها.
ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا، فقال: «قد ظهر الصبح إلّا أنه لم يملّك الإنسانَ بصره» ،وهذا القول من الحكمة أيضًا.
-موقف آخر:
وكان تزوَّج غلام من غلمان دمشق، فوقعت المرأة منه بموقع، وشغِفَ بها ثَمَّ سافرتُ عن دمشق لمهَمٍّ عرض لي، وسافر ذلك الغلام في صحبتي، فلما عدنا من السفر شغل بامرأته والمقام عندها، فسألته عن حاله فقال: إنها قد طالت وحسنت، وهي كذا وكذا، وأخذ يصفها، فقال أخ له كان حاضرًا:
يا مولاي، هي تلك لم تزد شيئًا، وإنما هي في عينه جبَّارٌ من الجبابرة!
وهذا القول قد ورد في بعض أبيات الحماسة وهي معدودة من أبيات المعاني:
أهابك إجلالًا وما بك قدرةٌ
عليَّ ولكن ملء عينٍ حبيبها!
فكثيرًا ما تصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال.
-موقف آخر:
وسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابش الذين لا يستطيعون تقويم صيغ الألفاظ، فضلًا عمَّا وراء ذلك، وذاك أنه رأى صبيًّا في يده طاقة ريحان، فقال: «هذه طاقة آسٍ تحمل طاقة ريحان.»
فلمَّا سمعت ذلك منه أخذتني هزة التعجب، وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى، وهو قوله:
«ووردةٍ حيا بها شادنٌ
في كفه اليمنى فأحيانا
سَبَّحْتُ ربي حين أبصرتها
ريحانة تحمل ريحانَا »
-موقف آخر:
«وحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطب، وكان لا يحسن أن يقول كلمة واحدة، وهو أقلف اللسان، يسيء العبارة, فسألته عن زيارة شخص وهل يتردد إليه أم لا، فقال: «ظلام الليل يهديني إلى باب من أوده، وضوء النهار يضل بي عن باب من لا أوده»،وهذا من ألطف المعاني وأحسنها وهو من الحكمة المطلوبة.
-موقف آخر:
وكنت قصدت زيارة بعض الإخوان من الأجناد وهو من الأعجام، فسألته عن حاله، وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها، وعظمت آلامها، فقال لي في الجواب ما معناه: «إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة من النوائب»،وهذا معنى لو أتى به شاعر مُفلِقٌ، أو كاتب بليغ, لاستحسن منه غاية الاستحسان.
-موقف آخر:
وكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمئة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة العدو الكافر من الفرنج -لعنهم الله-وتقابل الفريقان على مدينة يافا، وكان إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين، فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو، فلمَّا حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد، فقيل له في ذلك، فقال:«الموت طعام لا تجشه المعدة. »
فلمَّا سمعت هذه الكلمة استحسنتها، وإذا هي صادرة عن رجل من أهل بصرى!
ولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت، وإنما دللت بيسير ما ذكرته على المراد، وهو أنه يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبَّع أقوال الناس في محاوراتهم, فإنه لا يعدم مما يسمعه منهم حكمًا كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك بفكره لأعجزه.
لقد كان ابن الأثير، وهو من أئمة البيان، يدرك بثاقب فكرة أن الحكمة ليست وقفا على البلغاء أو الحكماء أنفسهم وحدهم ، وأن المعنى الجميل قد يصدر ممن هم دونهم مكانة وعلماً من البسطاء فتكون بذلك مصدر إلهام خصب يستثمره أمراء الكلام في مقاصدهم الشعرية المختلفة،وكم من شاعر استغلقت عليه معانيه الشعرية في تجربة ما فوجد مصادفة العدة والعتاد إن صح التعبير عند هؤلاء المهمشين من الناس.!
وفي ذلك يقول الشاعر:
لاتحقرن صغيرة
إن الجبال من الحصى!
في ختام هذه المقالة يقتضيني الإنصاف أن أشير بإيجاز شديد إلى مكانة ابن الأثير العلمية المرموقة
فهو من أساطين الكُتّاب في التراث العربي القديم ولاريب في ذلك ،وقد
لمع نجمه في عصر «صلاح الدين»،وفي عهده تولى الوزارة وذلك سنة (587 هـ).
ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق فتولاها لابنه الملك :الأفضل بن صلاح الدين، ثم انتقل فيما بعد إلى خدمة أخيه الملك الظاهر غازي(صاحب حلب) (سنة 607 هـ)
وله عدة مصنفات أشهرها:«المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»،
الذي أثني ابن خلكان عليه بقوله: «وهو في مجلدين جمع فيه فأوعى، ولم يترك شيئا يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره».



