كتاب الرأي

(فصيح الشكوى أعجمي الشكر)

 ✍️ أروىٰ بنت مسلط العتيبي – كاتبة راي :

في أعماق النفس البشرية سر عجيب وتناقض غريب فاللسان حين يتعلق الأمر بالألم ينطلق بطلاقة الفصحاء وحين يستسقي النعم ويستعذب شكرها يرتد ارتجالًا لا يكاد يبين
يتقن المرء ببراعة مذهلة عد نقائصه ويحصي بدقة بالغة خيباته لكنه يتلعثم تمامًا أمام جبال العطايا الماثلة بين يديه تؤلمه شوكة صغيرة اعترضت طريقه لحظة فيقيم لها في صدره مأتمًا ويندب حظه وينسى آلاف الخطوات التي مشاها في رحاب السلام والعافية
إذا ضاق عليه يومه وضجر أطال الحديث عن التعب والشقاء حتى يخيل إليه أن الدهر كله قد تواطأ عليه فإذا اتسعت عليه النعم وتدفق الرزق مر عليها مرور الكرام كأنها حق مكتسب وواجب معتاد لا يستحق حتى الالتفات
يشكو العبد بحرقة تأخر أمنية ويستبطئ مجيئها وينسى سيل النعيم الذي أتاه عفو الخاطر دون أن يسأل أو يطلب يحصي بدقة ما فقد ويغفل عما بقي عن دفء العائلة وعافية الأبدان وسلامة الصدور وستر الله وأبواب الرزق التي لا تزال مفتوحة وأيام كثيرة مرت به دون مصيبة تستحق الحمد قبل أن تستحق الذكر
ولعل أكثر ما يؤلم في الإنسان أنه لا يفقد النعمة حين تزول فقط بل قد يفقدها حين يألفها
فحين تطول إقامة النعمة في حياتنا تنتقل في أعيننا من خانة الفضل إلى خانة المعتاد فنكف عن رؤيتها وننسى أنها كانت يومًا دعاءً أو أمنيةً أو خوفًا من فقدها
تصبح صحتنا أمرًا طبيعيًا لا نلتفت إليه ووجود أهلنا شيئًا اعتدناه وبيوتنا مجرد جدران ورزقنا شيئًا ننتظره كل شهر وستر الله علينا أمرًا لا نفكر فيه حتى تأتي لحظة نفقد فيها شيئًا من ذلك فنعرف فجأة كم كنا نعيش في نعمة
إن النعمة لا تحتاج دائمًا إلى أن تزول حتى نعرف قيمتها لكنها تحتاج إلى قلب لا يألفها حتى يعمى عنها
وفي خضم هذه الشكوى الدائمة يتراءى لنا واقع مرير على ألسنة كثير ممن يتذمرون من تفاصيل حياتهم اليومية ويظنون أنهم يعيشون في قاع البؤس وهم في الحقيقة يرفلون في نعم يتمنى مثلها ملايين المحرومين
كم من ساخط على بيته الصغير وهو طود أمان يحميه من برد الشوارع ووحشة الطرقات
وكم من متململ من عمله المعتاد بينما يقف عاطل على عتبة الرزق يرقب فرصة قد تغير حياته
وكم من شخص يضيق بروتين يومه بينما يتمنى آخر أن يستعيد يومًا عاديًا لم يعد يملكه
قد تكون حياتك التي تشتكي منها هي الحياة التي يدعو شخص آخر الله أن يرزقه مثلها
وما تسميه أنت روتينًا قد يكون أمنية عند إنسان آخر
وصحتك التي لا تلتفت إليها قد تكون أغلى أمنية عند من أنهكه المرض
ووجود أهلك الذي اعتدت عليه قد يكون حلمًا موجعًا لمن فقد عزيزًا ولن يعود
لكن الإنسان كثيرًا ما يقارن كواليس حياته بواجهة حياة الآخرين يرى مالًا أكثر أو بيتًا أكبر أو حياة تبدو أكثر اكتمالًا فيعود إلى نعمته الصغيرة فيحتقرها ولا يعلم أن الذي يحسد حياته قد يخفي خلف ابتسامته معركة لا يراها أحد
إننا لا نرى من حياة الآخرين إلا ما ظهر ثم نقيس ما خفي من حياتنا بما ظهر من حياتهم فنظلم أنفسنا مرتين مرة حين ننسى نعمنا ومرة حين نحملها مسؤولية ألا تشبه حياة غيرنا
ومع ذلك لا يعني هذا أن ننكر التعب أو أن نطلب من الإنسان أن يتظاهر بأن كل شيء بخير
فالإنسان يحزن ويتعب ويضيق وقد يشكو ما أثقل قلبه والشكوى في ذاتها ليست عيبًا ولا تنافيًا مع الإيمان
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الشكوى من شعور عابر إلى عدسة دائمة فلا يرى الإنسان من خلالها إلا النقص مهما اتسعت حوله أبواب العطاء
بعض الناس لا يعيشون في قلة بل يعيشون في غفلة عن الكثرة
ومن هنا تأتي الإشراقة الربانية الكبرى في قوله تعالى
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
إنها ليست دعوة إلى التفاخر بما نملك ولا إلى استعراض ما في أيدينا وإنما هي تذكير بأن للنعمة حقًا في القلب أن تعرفها وأن تنسب الفضل إلى واهبها وأن تستشعر منته عليك
أن تقول هذا من فضل ربي
أن تدرك أن ما في يديك لم يكن واجبًا على الحياة أن تمنحك إياه وأن استمرار النعمة ليس أمرًا مضمونًا وأن ما اعتدته اليوم ربما كان بالأمس دعاءً طويلًا بينك وبين الله
كم من شيء تراه اليوم عاديًا كان بالأمس أمنية ترفع يديك إلى السماء من أجلها
كم من باب كنت ترجوه فلما فتحه الله لك انشغلت بالباب الذي لم يفتح
وكم من دعوة استجابها الله ثم اعتدتها حتى نسيت أنك كنت يومًا تسأل الله إياها
نحن أحيانًا لا نحتاج إلى المزيد من النعم بقدر ما نحتاج إلى عين جديدة ترى النعم القديمة
نحتاج أن نبدل السؤال
بدلًا من ماذا ينقصني
نسأل ماذا بقي لي
وبين السؤالين تتغير الحياة
فلا تجعل لسانك طويلًا في وصف ما ينقصك قصيرًا في الاعتراف بما أكرمك الله به
أن تقول الحمد لله جميل لكن الأجمل أن يعيش قلبك معنى الحمد
أن ترى الصحة قبل المرض والحضور قبل الغياب والأمان قبل الخوف والرزق قبل الحاجة والستر قبل انكشاف الحال
أن تشكر النعمة وهي في يدك لا بعد أن تصبح ذكرى
فالغنى ليس دائمًا في كثرة ما في اليد وإنما في امتلاء القلب باستشعار ما فيها
وحين تضيق بك الحياة لا تعد ما فقدت فقط عد ما بقي
تذكر نفسك قبل سنوات حين كنت تدعو الله بما تعيشه اليوم
تذكر الأبواب التي كنت ترجو فتحها والأيام التي كنت تخافها ثم عبرتها والأمنيات التي تحققت حتى أصبحت من تفاصيل حياتك التي لا تتوقف عندها
ربما أنت اليوم تعيش في فصل من حياتك كنت بالأمس تسأل الله أن يكتبه لك لكن الإنسان سريع الاعتياد ينسى الدعاء حين تأتي الإجابة ويتذكر النقص حين تستقر النعمة
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يتعلمه الإنسان ليس كيف يحصل على المزيد فقط بل كيف يرى المزيد فيما لديه
أن يتعلم فن الالتفات
أن يلتفت إلى بيته فيراه سكنًا لا جدرانًا
وإلى أهله فيراهم نعمةً لا عادة
وإلى صحته فيراها أمانةً لا أمرًا مفروغًا منه
وإلى رزقه فيراه فضلًا لا استحقاقًا
وإلى يومه فيراه فرصةً لا تكرارًا مملًا
عندها يدرك أن النعمة ليست دائمًا في الشيء نفسه بل في العين التي تنظر إليه
قد توضع خزائن الأرض بين يدي إنسان ولا يشعر بالغنى وقد يوضع القليل بين يدي قلب ممتن فيشعر أنه يملك العالم
فالمتنعم الحقيقي ليس من يملك أكثر بل من يستشعر أكثر
ومن رزقه الله النعم وسلبه استشعارها فقد حرم حقيقة النعيم وإن ازدحمت حوله أسباب الرفاه
ومن وهبه الله نعمة الاستشعار رأى في أبسط الأشياء ما تعجز عن منحه عروش الملوك
فلا تنتظر زوال النعمة حتى تعرف قيمتها
لا تجعل الفقد هو المعلم الذي يشرح لك معنى الحضور
ولا تجعل الغياب هو الذي يخبرك كم كان وجودهم جميلًا
التفت الآن
انظر إلى ما لديك
إلى نعمة لم تعد تراها لأنك اعتدتها وإلى باب ما زال مفتوحًا وإلى شخص ما زال بجانبك وإلى عافية تحملك وإلى ستر يحيط بك وإلى رزق يأتيك وإلى قلب رغم كل ما مر به ما زال قادرًا على الرجاء
ثم قلها هذه المرة لا بلسان اعتادها بل بقلب استيقظ لمعناها
الحمد لله
فقد لا تملك كل ما تتمنى لكن بين يديك أشياء يتمنى غيرك لو امتلكها
وقد لا تكون حياتك التي تحلم بها لكنها ربما تكون حياة يحلم بها إنسان آخر
فلا تبحث دائمًا عن نعمة جديدة
ربما كانت أعظم نعمة في حياتك تلك التي ألفتها حتى نسيت أنها نعمة
فالإنسان لا يحرم النعيم حين تقل النعم فقط بل قد يحرم النعيم حين يفقد القدرة على استشعارها
ومن أعظم أبواب الغنى أن تنظر إلى حياتك ذات يوم فتكتشف أنك لم تكن تفتقد الكثير كنت فقط لا تلتفت إلى الكثير الذي لديك
ومع إشراقة الحمد واستشعار النعم يتجلى اليقين بأن الحامد الشاكر المستشعر هو الإنسان الأكثر سعادة وغنىً في هذا الوجود أيًا كانت ظروفه وأحواله فحين يمتلئ القلب بالرضا والامتنان تنمحي وحشة الحرمان وتحول قسوة الظروف إلى مساحات دافئة من التسليم والاطمئنان إن استشعار النعم ليس مجرد شعور عابر بل هو مفتاح السلام النفسي الحقيقي الذي يبحث عنه البشر في كل مكان الحامد المستشعر لا يرهقه التطلع المستمر لما يدور في فلك الآخرين ولا تحطمه تعرجات الأيام لأنه يدرك بعين بصيرته أن السعادة الحقيقية تكمن في قناعة الداخل لا في وفرة الخارج وبهذا الامتنان العميق ينبت الرضا الذاتي الذي يحصن الروح ضد مهلكات التسخط وضيق الأفق فكلما ازداد العبد حمداً ازداد طمأنينة وسكينة إذ يدرك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أتاه من عافية وستر هو محض فضل من رب كريم وبهذا الاستشعار الدائم يعيش الحامد في جنة معجلة من الراحة النفسية قانعًا بما قسم الله مترنماً بلسان الحال والمقال الحمد لله من عمق الوجدان حمدًا يملأ الميزان ويرضي الرحمن ..

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى