بعد 32 عامًا من الغياب.. عاد إلى التلعة ليزرع الوفاء ويحصد المعرفة

✍️أ. د . محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة الملك سعود :
للباحة جمال فياض، ومناخ يزرع الدفىء والراحة بالقلوب، وفي مركز بني كبير بمحافظة بلجرشي، تقف مزرعة صفوة التلعة بوصفها تجربة تتجاوز مفهوم المزرعة التقليدية، فهي حكاية عودة إنسان إلى جذوره، وتجسيد لعلاقة عميقة بين الذاكرة والأرض والإنسان.
علي بن سعيد الغامدي، الذي أمضى جزءًا من حياته العملية في مشاريع أرامكو، ظل يحمل معه شغفًا قديمًا بالزراعة، بدأ منذ وقت مبكر، حين تشكلت لديه علاقة خاصة بالتربة والنبات مع والديه. وبعد 32 عامًا من الغياب، عاد إلى التلعة، لا ليستعيد المكان فحسب، وإنما ليستعيد جزءًا من ذاكرته المرتبطة بالوالدين، ويمنح هذا الحنين معنى جديدًا من خلال العمل في الأرض.
بالنسبة للغامدي، الأرض ليست موردًا اقتصاديًا فقط، إنها أصل من أصول علاقة الإنسان بالحياة. فمنها بدأ الاستقرار، ومنها نشأت الزراعة، وحولها تشكلت المجتمعات. ولذلك جاء اهتمامه بالزراعة النظيفة نتيجة وعي يتجاوز إنتاج المحصول إلى السؤال عن ما الذي نضعه في التربة، وما الذي يعود منها إلى الإنسان.
ومن هذا المنطلق، أصبحت صفوة التلعة حقلًا لتجربة زراعية تقوم على الاهتمام بالتربة، واستخدام الأسمدة الطبيعية والعضوية، وإنتاج غذاء أكثر ارتباطًا بالبيئة وصحة الإنسان، مع إنتاج أصناف متنوعة من الخضروات والفواكه.
غير أن القيمة الأعمق للتجربة تكمن في أن المزرعة تحولت إلى كلية تأهيل زراعي فني في مجال التطبيق، فالحقل هو قاعة الدرس، والنبات مادة التدريب، والممارسة وسيلة اكتساب المهارة. وتقام فيها برامج تثقيفية وتعليمية ودورات وورش عمل مجانية، تتيح للمهتم أن يتعلم الزراعة من مصدرها الحقيقي الأرض.
وهذا التحول من مزرعة إلى مساحة للتأهيل يعكس فهمًا مختلفًا لدور المزرعة في المجتمع؛ فهي لا تستقبل من يريد شراء المنتج فقط، بل تستقبل من يريد أن يتعلم كيف ينتجه، وكيف يحافظ على تربته، وكيف يحول المعرفة الزراعية إلى مهارة قابلة للممارسة والإنتاج.
وتكتمل التجربة بالطبيعة التي تحتضنها في بني كبير، لتلتقي الزراعة بالسياحة الريفية، ويصبح المكان تجربة للمعرفة والاستمتاع معًا، خصوصًا مع الاستعداد لافتتاح مزرعة الزعفران، بما تضيفه من منتج وتجربة جديدة إلى المشهد الزراعي والسياحي في المنطقة.
وهكذا تختصر صفوة التلعة فلسفة بسيطة وعميقة في آن واحد، أن العودة إلى الأرض قد تكون عودة إلى الذات، وأن أفضل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس محصولًا ينتهي موسمه، بل معرفة تنتقل إلى إنسان آخر وتستمر بعده.
بعد 32 عامًا، عاد الغامدي إلى التلعة، فوجد أن الأرض التي حفظت ذاكرته يمكن أن تحفظ أيضًا أثره؛ فزرع فيها المحصول، وفتحها للمعرفة، وحوّل شغفه القديم إلى تجربة يستفيد منها الإنسان والمكان
للتواصل : [email protected]



