حين يصبح العطاء ذكرى… ولا يبقى إلا الأثر

✍️أ- أمل عسيري – كاتبة سعودية :
هناك أشياء لا نتحدث عنها كثيرًا، ليس لأنها لم تؤلمنا، بل لأننا تعلّمنا أن بعض المشاعر أكبر من أن تُشرح.
في حياتنا، نلتقي بأشخاص نساعدهم في بداياتهم، نقف بجانبهم عندما تكون خطواتهم الأولى ، نمنحهم من وقتنا، وخبرتنا، وفكرنا، وربما من مالنا وجهدنا، دون أن ننتظر مقابلًا.
نساعدهم لأننا نؤمن بهم، ونفرح بنجاحهم وكأن نجاحهم جزء من نجاحنا.
لكن المؤلم أحيانًا ليس أن ينتهي دورك، فكل إنسان له طريقه، وكل مرحلة لها أشخاصها… وإنما أن يمر كل ما قدمته وكأنه لم يكن.
أن ترى من وقفت معه بالأمس وقد أصبح اليوم لا يملك حتى لحظة ليسأل عنك.
وتتحول العلاقة من قربٍ وامتنان إلى صمتٍ بارد، وكأن السنوات والمواقف والمساندة لم تكن يومًا جزءًا من الحكاية.
ومع ذلك، لا ينبغي للعطاء الحقيقي أن يتحول إلى ندم.
فما قدمته في وقتٍ ما كان نابعًا من أخلاقك، ومن قلبك، ومن رغبتك في أن تكون سببًا في خير أو نجاح إنسان آخر.
قد ينسى الإنسان من مد له يده، لكنه لا يستطيع أن يمحو الحقيقة:
لقد كنت هناك عندما كان يحتاج إلى من يقف بجانبه.
ولذلك، ربما علينا أن نتعلم أن العطاء لا يعني أن ننتظر الوفاء، وأن المساندة لا تعني امتلاك مكان دائم في حياة الآخرين.
أعطِ لأنك كريم، وساعد لأنك تستطيع، وساند لأنك تؤمن بالخير… ولكن لا تجعل قيمتك مرتبطة بمدى تذكر الآخرين لما فعلته من أجلهم.
فبعض الأشخاص سيكونون فصلًا في حياتك، ثم يغلقون الصفحة دون وداع.
وبعضهم سيأخذون منك الكثير، ثم يكملون طريقهم وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن هناك شيئًا لا يستطيعون أخذه منك:
أثرك.
قد لا يتحدثون عنك، وقد لا يذكرون مواقفك، وقد لا يعترفون بأنك كنت سببًا في خطوة من خطوات نجاحهم… لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أنك تركت أثرًا.
وأحيانًا، كل ما نتمناه بعد كل ما قدمناه ليس كلمة شكر، ولا ردًا للجميل، ولا حتى بقاءً دائمًا في حياة من ساعدنا.
كل ما نتمناه هو:
أن نكون ذكرى جميلة مرّت في حياة أحدهم.
أن يتذكرنا يومًا فيقول:
“كان هناك شخص وقف معي عندما احتجته.”
“كان هناك من آمن بي قبل أن يؤمن بي الآخرون.”
“كان هناك من أعطاني دون أن يسأل ماذا سيأخذ.”
وإن لم يقولوا ذلك، فلا بأس.
فالله يعلم ما قدمت، ويعلم نيتك، ويعلم المواقف التي لم يراها أحد.
لا تجعل جحود الآخرين يجعلك تندم على طيبة قلبك.
فالعطاء الذي خرج منك بصدق لم يكن خسارة… حتى لو لم يحفظه صاحبه.
كن كريمًا، لكن كن واعيًا.
كن داعمًا، لكن لا تستنزف نفسك.
كن وفيًا، لكن لا تطلب الوفاء ممن لا يعرف معناه.
وساعد الناس، لكن لا تنسى نفسك وأنت تساعدهم.
وفي النهاية…
ربما لا نبقى في حياة الجميع، وربما يأتي يوماً يستغنون فيه عنا بكل سهولة.
لكن يكفينا أن نغادر حياة بعض الناس وقد تركنا فيها شيئًا جميلًا.
يكفيني أن أكون مررت في حياة إنسان ذات يوم، فوجد عندي دعمًا حين احتاج، وكلمة حين ضاقت به الأيام، ويدًا امتدت إليه دون مقابل.
فإن نسيني… فليكن.
وإن لم يذكر ما فعلته… فليكن.
وإن انتهت الحكاية… فليكن.
المهم أنني كنت يومًا ذكرى جميلة في حياة أحدهم، لا سببًا في وجعه.
وهذا وحده… يكفي.
الأثر الطِيب ثروة الإنسان التي لا تفنىٰ” “للهِ دَرُّ أُنَاسٍ أينَما ذُكِـرُوا تَطِيبُ سِيرَتُهُم حتَّى وإن غَابُوا”



