سمو الشعر وجمال القصيد في أمسية أدبية تتسم بالإبداع

✍️ إسرار السلمي – كاتبة رأي :
نظّم نادي الكتابة الإبداعية (شغفنا)، التابع لمنصة هاوي، مساء الثلاثاء 25 أغسطس 2026م، أمسية أدبية بعنوان (القصيدة بين الإلهام والصنعة)، أُقيمت عبر مساحة صوتية في منصة إكس، واستضافت الشاعر شيخ الصنعاني، فيما أدارت اللقاء العضو المؤسس في النادي الأستاذة صباح العمري.
واستُهلت الأمسية بكلمة لرئيس نادي شغفنا، الأديب والمترجم الأستاذ خلف سرحان القرشي، رحّب فيها بالشاعر الضيف، مثمنًا تلبيته الدعوة ومشاركته تجربته الشعرية، كما قدّم شكره للأستاذة صباح العمري على إدارتها للقاء وتنسيقه، وللحضور على اهتمامهم بالشعر والأدب والكلمة.
وفتح القرشي في كلمته باب التساؤل حول جوهر التجربة الشعرية، متناولًا عددًا من الأسئلة التي شكّلت مدخلًا فكريًا للأمسية: هل تولد القصيدة فعلًا في لحظة الإلهام؟ وهل يكفي الإلهام وحده لصناعة الشعر؟ وأين تبدأ الصنعة؟ وما الذي تصنعه القراءة في تجربة الشاعر؟ وماذا تضيف التجربة والمكان وصوت الذات إلى القصيدة؟ ثم ماذا يبقى منها بعد أن يفرغ الشاعر من كتابتها؟
وأكد أن مثل هذه الأسئلة لا تهم الشاعر المحترف وحده، بل تمتد إلى من يخطو خطواته الأولى في الكتابة، وإلى كل كاتب لا يزال يبحث عن صوته الخاص، ويريد أن يعرف كيف تتحول المشاعر والأفكار والتجارب الإنسانية إلى أدب.
وأشار إلى أن هذه الأمسية تجسد إحدى الغايات التي يسعى إليها نادي الكتابة الإبداعية (شغفنا)، من خلال إيجاد مساحة يلتقي فيها المبتدئ بصاحب التجربة، لا ليقلده، بل ليتعلم منه ويحاوره ويكتشف من خلال ذلك طريقته الخاصة في الكتابة، مؤكدًا أن الغاية ليست تعليم الناس ماذا يكتبون، بقدر ما هي مساعدتهم على اكتشاف كيف يكتبون، ولماذا يكتبون، وكيف يصنع كل كاتب صوته الذي يشبهه.
وتوقف القرشي عند التحولات التي يشهدها عصر التقنية والذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن قدرة الآلة على إنتاج آلاف الكلمات في ثوانٍ تجعل مهمة المبدعين أكثر أهمية في المحافظة على الإنسان داخل الكتابة، بما يحمله من تجربة وشعور وصدق وخصوصية.
بين ميلاد القصيدة ووميض الإلهام
تناولت الأمسية خمسة محاور رئيسة، دارت حول ميلاد القصيدة، ووميض الإلهام، وكفايات القراءة وحقول التجربة، وظلال المكان وصوت الذات، وصولًا إلى السؤال الأخير: ماذا يبقى بعد القصيدة؟
وفي حديثه عن ميلاد القصيدة، أوضح الشاعر شيخ الصنعاني أن ولادات القصائد لا تتشابه؛ فقد تولد القصيدة من لحظة عابرة، أو موقف من الفرح أو الحزن، أو تجربة إنسانية مؤثرة، مؤكدًا أن الشعر في جوهره صورة للشعور ونسج للخيال بالواقع.
أما الإلهام، فوصفه بأنه الشرارة الأولى التي توقد القصيدة، غير أن هذه الشرارة لا تكفي وحدها لصناعة نص شعري مكتمل، إذ تحتاج إلى الموهبة والمعرفة والصنعة؛ حتى يحتفظ النص بقيمته الفنية وشاعريته.
القراءة تصنع أدوات الشاعر
وفي محور كفايات القراءة وحقول التجربة، أكد الصنعاني أهمية أن يكون الشاعر قارئًا نهمًا قبل أن يكون كاتبًا، وأن يمتلك رصيدًا معرفيًا ولغويًا واسعًا، ويطّلع على الأغراض الشعرية وأساليب الشعر وأدواته؛ فالقصيدة التي تتشكل أولًا في مخيلة صاحبها تحتاج إلى لغة وأدوات قادرة على إخراجها في صورتها الفنية المناسبة.
كما تمثل التجربة الإنسانية رافدًا مهمًا للكتابة، إذ تمنح الشاعر مادته الشعورية وتثري رؤيته، وتجعله أكثر قدرة على تحويل المواقف والتفاصيل اليومية إلى صور ودلالات شعرية.
المكان حين يتحول إلى قصيدة
وحول ظلال المكان وصوت الذات، أشار الصنعاني إلى الدور الكبير الذي يؤديه المكان في تشكيل تجربة الشاعر، باعتباره ابن بيئته، فلا يكتب من فراغ، وإنما تتسلل تفاصيل المكان إلى لغته وصوره وإيقاعه.
فللبحر مفرداته، وللصحراء قاموسها، وللمدن صخبها، وللقرى هدوؤها، فيما تتحول البيوت القديمة والأزقة ورائحة المطر وصوت النوافذ في القصيدة إلى صور ورموز نابضة بالحياة.
وفي مقابل حضور المكان، يأتي صوت الذات بوصفه العنصر الذي يمنح القصيدة هويتها وخصوصيتها؛ فالشاعر حين يكتب عن المكان لا يصفه فحسب، وإنما يكشف من خلاله شيئًا من نفسه ومخاوفه وأحلامه وأسئلته. ولذلك قد تتشابه الأمكنة، لكن القصائد لا تتشابه؛ لأن لكل شاعر صوته وتجربته ورؤيته الخاصة.
ماذا يبقى بعد القصيدة؟
وفي المحور الأخير، أكد الصنعاني أن ما يبقى بعد القصيدة هو (الأثر). فبعد أن تنتهي لحظة الكتابة والتنقيح والمراجعة، تبدأ حياة أخرى للنص في وجدان المتلقي وذاكرته.
وقد تسكن القصيدة قلب قارئ سنوات طويلة، وترافقه في مراحل حياته، في أفراحه وأوجاعه، وربما أعادت إليه ذكرى ظن أنها غابت أو اندثرت. أما بالنسبة للشاعر، فإن كل قصيدة يكتبها تصبح جزءًا من سيرته الروحية وذاكرته، وليست مجرد نص يغادره بمجرد الانتهاء من كتابته.
وخلصت الأمسية إلى أن القصيدة الحقيقية ثمرة لقاء متوازن بين الإلهام والصنعة؛ فلا الإلهام يغني عن المعرفة، ولا الصنعة تغني عن الصدق والموهبة. كما أن الإبداع الشعري لا يقوم على انتظار اللحظة المضيئة فحسب، وإنما يحتاج إلى استعداد دائم بالقراءة والتأمل والتجربة والمراجعة؛ فالإلهام يفتح باب القصيدة، والصنعة تحسن بناءها.
واختُتمت الأمسية بنماذج شعرية ألقاها الشاعر شيخ الصنعاني، أضفت على اللقاء مزيدًا من الجمال والألق، إلى جانب عدد من مداخلات الحضور من الشعراء والكتاب والمهتمين بالأدب، والتي أثرت النقاش وعكست شغف المشاركين بالشعر والكتابة.
وهكذا مضت أمسية (القصيدة بين الإلهام والصنعة) بين سؤال التجربة وجمال القصيد، لتؤكد أن الشعر لا يولد من الإلهام وحده، ولا تصنعه الأدوات وحدها، وإنما يولد حين تصافح الموهبةُ المعرفةَ، ويلتقي صدق الشعور بجمال الصنعة، ليبقى من القصيدة ما هو أبعد من الكلمات: أثرٌ يسكن الذاكرة، وشعورٌ يمتد في وجدان القارئ.



