كتاب الرأي

رابطة الهواة تصنع المجد من ملاعب جازان

 د. علي بن إبراهيم خواجي

في بعض المباريات لا تكون الكرة هي الحكاية كلها ..

فهناك حكايات أخرى تُكتب في المدرجات ، وعلى الخطوط الجانبية ، وفي عيون اللاعبين ، وفي أصوات الجماهير التي جاءت لتشجع فريقها ، وفي ذلك الشغف الذي يجعل من ملعب كرة القدم مساحةً للفرح والانتماء والالتقاء .

هذا ما شعرت به وأنا أتابع مباريات نصف النهائي من بطولة محافظة صبيا الصيفية وبجواري رئيس رابطة الهواة لكرة القدم بمنطقة جازان الأستاذ عبدالله مثقب معشي ، والخلوق رئيس فرع الرابطة بمحافظة صبيا الأستاذ عبدالله حسن السبعي .

لم أكن أمام مباراة كرة قدم فحسب ، بل أمام مشهد رياضي متكامل ، يؤكد أن كرة القدم في جازان تجاوزت حدود المنافسة داخل المستطيل الأخضر ، لتصبح جزءًا من الحراك الاجتماعي والشبابي في المحافظات .

وأمام هذا المشهد الجميل ، كان لا بد من الوقوف تقديرًا للجهود التي تبذلها رابطة الهواة لكرة القدم بمنطقة جازان ، وما تقوم به من دور في تنشيط كرة القدم للهواة ، وإقامة البطولات والدورات الرياضية في محافظات المنطقة ومراكزها .

من الملعب تبدأ الحكاية

ربما يعتقد البعض أن تنظيم بطولة رياضية يبدأ وينتهي بصافرة الحكم .

لكن الحقيقة أن خلف كل بطولة ناجحة منظومة متكاملة من العمل والتخطيط والتنظيم والتحكيم والمتابعة ، وجهودًا لا يراها الجمهور في كثير من الأحيان .

والجميل في تجربة رابطة الهواة أنها أسهمت في نقل المنافسة الرياضية إلى مساحات أوسع ، لتصل إلى كل المحافظات ، وتمنح الفرق والهواة والشباب فرصة حقيقية للمشاركة وإظهار قدراتهم .

وهذا بحد ذاته عمل يستحق التقدير .

فليس المهم فقط أن يكون لدينا لاعب موهوب ، بل الأهم أن نوفر له ملعبًا ، وبطولة ، وجمهورًا ، ومنصةً تمنحه فرصة الظهور .

ومن هنا تأتي أهمية هذه البطولات.

جازان .. مخزون من المواهب

من يعرف منطقة جازان جيدًا يدرك أنها ليست فقيرة بالمواهب الرياضية ، بل ربما تكمن المشكلة أحيانًا في أن بعض المواهب لا تجد الطريق الذي يقودها إلى الأضواء .

وفي ملاعب الهواة ، يمكن أن تبدأ رحلة مختلفة .

قد يكون اللاعب الذي يخوض اليوم مباراة في بطولة محلية ، هو ذاته اللاعب الذي يلفت غدًا أنظار أحد الكشافين ، ثم ينتقل إلى نادٍ ، ويشق طريقه نحو الاحتراف .

ولهذا فإن بطولات الهواة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها منافسات موسمية فقط ، وإنما باعتبارها منجمًا للمواهب يحتاج إلى مزيد من الاكتشاف والرعاية والتطوير .

وهنا يمكن لرابطة الهواة أن تلعب دورًا أكبر في المرحلة المقبلة ، من خلال بناء منظومة لا تكتفي بتنظيم البطولة ، وإنما تعمل على اكتشاف الموهبة وتوثيقها وتأهيلها وربطها بالأندية والجهات الرياضية ذات العلاقة .

الرياضة .. أكثر من ستين دقيقة

ما شاهدته في صبيا يؤكد أن الرياضة حين تُنظم بصورة جيدة ، فإن أثرها يتجاوز حدود الملعب .

إنها تجمع الشباب ، وتشغل أوقاتهم ، وتمنحهم هدفًا ، وتغرس فيهم قيم المنافسة والانضباط والعمل الجماعي ، وتخلق مساحة للتواصل بين أبناء المحافظة .

بل إن مثل هذه البطولات تصنع حالة اجتماعية جميلة ، فالأسرة تأتي لمساندة أبنائها ، والأصدقاء يجتمعون ، والجمهور يعيش لحظات الفرح والحماس ، وتصبح البطولة جزءًا من ذاكرة المكان .

وهذه إحدى أهم وظائف الرياضة التي لا تظهر في جدول النتائج .

من بطولة إلى مشروع

وربما يكون التحدي الأكبر أمام هذه البطولات هو الانتقال بها من نجاح موسمي إلى مشروع رياضي مستدام .

فماذا لو أصبحت لكل بطولة قاعدة بيانات للاعبين المميزين ؟

وماذا لو تم اختيار أفضل اللاعبين في كل محافظة وتشكيل منتخبات للهواة على مستوى المنطقة ؟

وماذا لو أقيمت برامج تدريبية للمدربين والإداريين والحكام ؟

وماذا لو وجدت هذه البطولات رعاية أكبر من القطاع الخاص ورجال الأعمال ؟

وماذا لو أصبحت منصات إعلامية متخصصة تتابعها وتوثق قصص لاعبيها ونجومها ؟

عندها لن تكون البطولة مجرد كأس يرفع في نهاية الموسم ، بل ستكون منظومة لصناعة المستقبل الرياضي .

تحية لمن يعملون بعيدًا عن الأضواء

وفي خضم الحديث عن النجوم والفرق والنتائج ، يجب ألا ننسى أولئك الذين يقفون خلف المشهد .

الحكام ، والمنظمون ، واللجان ، والإداريون ، والمتطوعون ، والمشرفون ، وكل من يبذل جهدًا من أجل أن تظهر البطولة بالصورة التي تليق بها .

هؤلاء ربما لا تسلط عليهم الأضواء ، لكنهم جزء أساسي من نجاح أي حدث رياضي .

ولهذا فإن التحية اليوم ليست للاعبين وحدهم ، وإنما لكل من أسهم في صناعة هذا المشهد الرياضي الجميل .

صبيا نموذجًا يستحق الإشادة

لقد كانت بطولة محافظة صبيا الصيفية ، من خلال ما شاهدته في مباريات نصف النهائي ، مثالًا على قدرة الرياضة المحلية على صناعة الحضور والتفاعل ، وعلى أن المحافظات يمكن أن تكون مراكز حقيقية للحراك الرياضي .

والأهم أن هذه التجربة وغيرها من التجارب في محافظات جازان تستحق أن تحظى بمزيد من الدعم والتغطية الإعلامية ، لأن الإعلام الرياضي لا ينبغي أن ينتظر النجوم بعد وصولهم إلى منصات الاحتراف ، بل عليه أن يذهب إلى ملاعب الهواة ، حيث تبدأ القصة من بدايتها .

فربما يكون بين أولئك الذين نراهم اليوم في ملاعب صبيا أو أبو عريش أو بيش أو الدرب أو غيرها من محافظات جازان ، اسمٌ سيصبح غدًا نجمًا معروفًا على مستوى المملكة .

آخر حرف :

غادرت ملعب نصف النهائي في صبيا ، لكن المشهد ظل حاضرًا في ذهني ..

جمهور متحمس ، ولاعبون يقاتلون من أجل الفوز ، ومنظمون يعملون ، وشباب وجدوا في كرة القدم مساحة للحلم .

وعندها أدركت أن المسألة أكبر من كرة قدم .

إنها صناعة إنسان ، واستثمار في الشباب ، وبناء مجتمع ، واكتشاف موهبة ، وصناعة حلم .

ومن هنا أقول لرابطة الهواة لكرة القدم بمنطقة جازان :

استمروا … فأنتم لا تنظمون البطولات فقط ، بل تفتحون أبوابًا للموهبة ، وتصنعون مساحات للفرح ، وتكتبون فصلًا جديدًا في تاريخ الرياضة الجازانية .

ولعل أجمل ما يمكن أن نراه في السنوات القادمة هو أن يصبح أحد نجوم هذه الملاعب الصغيرة ، نجمًا كبيرًا يحمل اسم جازان إلى منصات التتويج .

فكل نجم كبير كانت له بداية …

وربما تكون بداية نجم جازان القادم قد بدأت من بطولة للهواة .

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى