يوسف التركي.. حين يرحل البسطاء الذين يسكنون القلب

✍️ محمد زايد آل مشافع – كاتب رأي :
بعض الأشخاص لا تحتاج إلى سنوات طويلة لتعرف قدرهم، ولا إلى مواقف كثيرة لتدرك معدنهم؛ يكفي أن تجلس إلى جوارهم ساعات قليلة، فتشعر وكأنك تعرفهم منذ أعوام. هكذا كان الأستاذ يوسف التركي، رحمه الله، أحد أبناء محافظة القنفذة، ذلك الرجل البسيط في مظهره، الكبير في خلقه، القريب من القلب منذ اللحظة الأولى.
قبل فترة، جمعتني به جلسة عابرة، لكنها بقيت في الذاكرة وكأنها لقاء طويل مع رجل يحمل في حديثه سيرة جيل كامل. جلس إلى جواري قرابة ست ساعات، ولم أشعر خلالها بملل أو ثقل؛ فقد كان حديثه ممتعًا، وحضوره مريحًا، وابتسامته صادقة، وكلماته تحمل عفوية الرجال الذين لم تفسدهم الحياة، ولم تغيّرهم الأيام.
حدثني عن عمله، وعن أبنائه، وعن رحلاته وأسفاره، وعن تجاربه وذكرياته، وكان ينتقل بين الحكايات ببساطة آسرة، وكأنك لا تستمع إلى رجل واحد، بل تستمع إلى ذاكرة وطن وذاكرة مجتمع. والأجمل من ذلك أنه كان يعرفني بشخصيات المجلس واحدًا تلو الآخر، ويعرّفني برجال عرفتُ من خلالهم شيئًا من تاريخ المكان وأهله.
لقد أدركت يومها أن معرفتي بيوسف التركي لم تكن معرفة رجل برجل فحسب، بل كانت نافذة فتحت لي بابًا على جيل الأوائل؛ جيل البساطة والوفاء، جيل الرجال الذين كانت قيمتهم في أخلاقهم، ومكانتهم في محبتهم للناس، وسيرتهم في ما تركوه من أثر طيب في نفوس من عرفوهم.
وما زلت أتذكر سعادتي بذلك اللقاء، وكنت قد وعدته أن أعود لزيارته، لكن الأقدار كانت أسرع من المواعيد، فجاءني خبر وفاته اليوم كخبر ثقيل على القلب، مؤلم في وقعه، لا سيما حين يكون الراحل ممن تركوا في النفس أثرًا رغم قِصر اللقاء.
رحم الله يوسف التركي؛ فقد كان من أولئك الذين لا يطيلون الإقامة في حياتك، لكنهم يطيلون الإقامة في ذاكرتك. رحل جسده، وبقيت كلماته، وبقيت طيبته، وبقيت تلك الساعات التي جمعتني به شاهدة على أن قيمة الإنسان ليست بعدد السنين التي نعرفه فيها، وإنما بما يتركه من أثر في القلوب.
إن رحيل أمثال يوسف التركي ليس فقدًا لأسرته وحدها، بل هو فقد لجزء من ذاكرة المجتمع، ولصوت من أصوات جيل عاصر الناس والأماكن والأحداث، وحمل في صدره الكثير من الحكايات التي لا تُكتب في الكتب، وإنما تحفظها صدور الرجال.
أحسن الله عزاء أسرته كافة، وأحسن عزاء أهالي محافظة القنفذة في هذا المصاب الجلل، وجبر الله قلوب أبنائه وأهله ومحبيه، وربط على قلوبهم بالصبر والسلوان.
اللهم اغفر ليوسف التركي وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجزه عن أهله ومحبيه خير الجزاء، واجمعه بمن يحب في جنات النعيم.
رحم الله ذلك الرجل البسيط الذي دخل القلب بلا استئذان، وغادر الدنيا بهدوء، لكنه ترك خلفه سيرة طيبة وذكرى عطرة.
ما أقصر اللقاء حين يكون جميلًا، وما أطول أثره حين يكون صاحبه رجلًا نادرًا في زمنٍ تتسارع فيه الوجوه وتقلّ فيه القلوب الصافية.
رحمك الله يا يوسف، وما كنت أعلم أن الساعات الست التي جمعتني بك ستكون آخر عهدي بك، وأن الوعد بزيارة أخرى سيبقى وعدًا لم يمهله القدر.
رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما تركته من طيب السيرة وحسن الذكر شاهدًا لك لا عليك.
إنا لله وإنا إليه راجعون
للتواصل : .[email protected]



