استرد حياتك

✍🏻 نادية الجودي – كاتبة رأي :
في إحدى قاعات الانتظار، كان شاب يتنقّل بين حسابات زملائه؛ هذا أعلن عن ترقية، وذاك احتفى بمشروع جديد، وثالث نشر صورًا من رحلة بعيدة. أغلق هاتفه مثقلًا بشعور التأخر، مع أن حياته كانت تمضي بصورة طبيعية، وفيها من الفرص ما يستحق أن يراه. خلال دقائق، غادر واقعه ليقيسه بلحظات منتقاة من حيوات الآخرين. تتكرر هذه الصورة بأشكال مختلفة؛ ننشغل بإنجازات غيرنا، ونحلّل خطواتهم، ثم نعود إلى أنفسنا بأحكام قاسية، كأن للحياة جدولًا موحدًا يصل الجميع وفق مواعيده. هكذا تتبدد طاقة كان يمكن استثمارها في تعلّم مهارة، أو إنجاز مشروع، أو تغيير عادة تعوق تقدمنا. يبدأ تحقيق الذات بسؤال جوهري: ما الحياة التي أريد بناءها؟
يعيد هذا السؤال الإنسان إلى مركز حكايته، ويدفعه إلى اكتشاف قدراته وقيمه ووجهته. فتحقيق الذات أوسع من منصب أو لقب أو حضور لافت؛ قد يكون في إتقان مهنة، أو تنمية موهبة، أو تأسيس مشروع، أو تربية أبناء صالحين، أو ترك أثر معرفي وإنساني. أمّا المقارنة فتختزل التجارب في مشاهد مبتورة؛ نرى النتائج وتغيب عنا سنوات الإعداد، ونحتفي بالقمة ونجهل وعورة الطريق، ثم نقيس بداياتنا بما وصل إليه الآخرون بعد محاولات طويلة. ومن هذا القياس المختل يولد شعور زائف بالعجز. لكل رحلة إيقاعها؛ هناك من تتضح وجهته مبكرًا، وآخر تقوده التجارب إلى معرفة نفسه بعد أعوام. وقد يكون التأخر الظاهر زمنًا عميقًا للإعداد، وقد تحمل البداية المتواضعة مستقبلًا باهراً . الانشغال بالذات يعني أن نستفيد من تجارب الآخرين دون استنساخها، وأن نستلهم نجاحهم دون جعله مقياسًا لقيمتنا. فالإنجازات الكبرى تتكوّن غالبًا من خطوات صغيرة حافظ أصحابها عليها حين غاب التصفيق وتأخرت النتائج. فحين يعرف الإنسان وجهته، يستقبل نجاح الآخرين بطمأنينة؛ فلكل إنسان ساحته وأدواته ورسالته. كما يصبح أكثر وعيًا بوقته، ويسأل نفسه: ماذا تعلمت؟ ما الخطوة التي أنجزتها؟ وإلى أي مدى اقتربت من الحياة التي تشبهني؟ العمر رأس مال لا يُستعاد، والأجدر أن ننفقه في بناء عقل يدرك ، ومهارة تنضج، وهدف يتحقق وأثر يبقى. فالإنسان الذي يجعل ذاته مشروعه الأهم يتحول من متفرج على الحياة إلى صانع لها، ومن قارئ لحكايات الآخرين إلى مؤلف لحكايته.
ويبقى السؤال الأجدر بالتأمل: أي حياة كان يمكن أن نصنعها،لو استعدنا العمر الذي أنفقناه في مراقبة حياة الآخرين؟
للتواصل : [email protected]



