كتاب الرأي

حين تظن أنك فوق الجميع

 ✍🏻 أمل سلامه سمران الشامان – كاتبه سعودية:

هناك أشخاص لا يرون أنفسهم بين الناس، بل يرون الناس من حولهم… درجاتٍ متفاوتة، وكأنهم وُلدوا في مكان أعلى من الجميع.

يتحدثون بثقةٍ تشبه الغرور، وينظرون للآخرين بنظرةٍ تحمل شيئًا من الاستعلاء، ويظنون أن ما لديهم من علم أو مال أو منصب أو مكانة يمنحهم حق التقليل من غيرهم.

لكنهم ينسون حقيقة بسيطة: المكانة الحقيقية لا تحتاج إلى أن تُشعر الآخرين بصِغرهم.

فالإنسان الكبير حقًا لا يرفع نفسه فوق الناس، بل يرفع من حوله معه. ولا يحتاج إلى إثبات أنه أفضل، لأن أخلاقه تتحدث عنه قبل كلماته.

وما أكثر الذين ظنوا أن الناس أقل منهم، ثم دارت الأيام وأثبتت لهم أن الحياة لا تحفظ لأحدٍ مكانه إلى الأبد.

قد يتغير المنصب، ويذهب المال، وتخفت الأضواء، وتتبدل الظروف… ويبقى شيء واحد لا يسقط: أثر الإنسان في نفوس الآخرين.

فإن كنت ترى نفسك فوق الجميع، تذكر أن الأرض التي تقف عليها لا تميز بين متكبر ومتواضع، وأن النهاية واحدة مهما اختلفت البدايات.

لا تجعل ما تملكه سببًا لتحتقر من لا يملكه، فقد يملك غيرك قلبًا أنقى، ونفسًا أكرم، وروحًا لا تحتاج إلى التصغير من الآخرين حتى تشعر بعظمتها.

فليس العظيم من رأى نفسه فوق الناس، بل العظيم من امتلك القدرة على الارتفاع… دون أن يدوس أحدًا في طريقه.

فبعض الأشخاص حين ترتفع بهم الحياة قليلًا، يظنون أنهم ارتفعوا على الناس جميعًا.

يتغير حديثهم، وتتغير نظراتهم، ويصبح التعامل معهم وكأنه امتياز يمنحونه للآخرين، لا علاقة إنسانية متبادلة. يظنون أن منصبًا أو مالًا أو معرفة أو حضورًا اجتماعيًا يمنحهم حق تقييم البشر، وتحديد من يستحق الاقتراب ومن لا يستحق.

والحقيقة أن الإنسان لا يكبر بما يملكه، بل بما يمنحه للآخرين من احترام.

فكم من شخصٍ يملك الكثير، لكنه فقير في أخلاقه، وكم من إنسانٍ بسيط لا يملك من الدنيا إلا قلبًا كريمًا، لكنه يترك في النفوس أثرًا لا يتركه أصحاب المناصب والألقاب.

لا تجعل ارتفاعك في مكانٍ ما يوهمك بأنك أعلى من الآخرين.

فربما أنت متقدم في مجال، وغيرك متقدم في مجال آخر. 

والأكثر غرابة أن بعض المتعالين لا يكتفون برؤية أنفسهم أفضل، بل يشعرون بالحاجة المستمرة إلى التقليل من الآخرين؛ وكأنهم لا يستطيعون رؤية عظمتهم إلا إذا جعلوا غيرهم صغارًا.

وهذه ليست عظمة…

هذه هشاشة ترتدي ثوب الكبرياء.

فالإنسان الواثق لا يحتاج إلى إهانة أحد، والناجح لا يخاف من نجاح غيره، والكبير فعلًا لا ينزعج من أن يرى شخصًا آخر يتقدم عليه.

العظمة الحقيقية أن تستطيع أن تكون في المقدمة، دون أن تدفع الآخرين إلى الخلف.

وتذكر دائمًا أن الدنيا متغيرة.

من تراه اليوم أقل منك ، قد تجده غدًا في مكان لم تتوقعه. ومن تظن أنك تستطيع الاستغناء عنه، قد يأتي يوم تبحث فيه عن حضوره ولا تجده.

الأيام كفيلة بأن تعيد ترتيب المقاعد، وتكشف للإنسان أن بعض الذين استصغرهم كانوا أكبر منه قدرًا، وأن بعض الذين بالغ في تقديرهم لم يكونوا يستحقون كل ذلك.

لذلك لا تتعالى.

صافح من هو أقل منك منصبًا، واحترم من هو أبسط منك حالًا، وأنصت لمن يختلف عنك، ولا تجعل ما بين يديك سببًا لتنسى أنك إنسان مثلهم.

فالناس لا يتذكرون كم كنت غنيًا، ولا كم كان منصبك عاليًا، بقدر ما يتذكرون كيف جعلتهم يشعرون وهم بجانبك.

وفي النهاية…

لا أحد يبقى في القمة إلى الأبد، ولا أحد يملك الدنيا وحده.

فإن كنت تستطيع أن ترتفع، فارفع معك من حولك.

وإن كنت تستطيع أن تكون عظيمًا، فكن عظيمًا بأخلاقك.

لأن هناك فرقًا شاسعًا بين شخصٍ يراه الناس كبيرًا، وشخصٍ يرى نفسه كبيرًا.

الأول رفعته أخلاقه…

والثاني رفعه غروره.

والفرق بينهما لا يظهر في لحظة النجاح، بل يظهر عندما تتغير الظروف وتسقط الأقنعة.

للتواصل: [email protected]

amal_asaman

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى