كتاب الرأي

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

زاوية ” جمعتنا آية “

            ✍️حسن المقصودي-كاتب رأي :

في عالمٍ صاخب تتجاذبه المصالح، يظل الإنسان باحثاً عن بوصلة أمان تضمن استقراره. وليس عبثاً أن تنتهي منابر الجمعة كل أسبوع بهذا النداء الإلهي الخالد؛ إنها ليست مجرد آية تُتلى، بل هي المنهاج الأقصر والأشمل لصلاح البشرية، والدستور الذي اختصره الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بقوله: (أجمع آية في القرآن للخير والشر هي هذه الآية). فما هي معالم هذا النداء الذي يعيد ترتيب وجداننا؟

ثلاثية البناء: ميزان الحياة المستقيمة
تضع الآية حجر الأساس لأي مجتمع ناجح: (العدل)؛ وهو إعطاء كل ذي حق حقه دون تفريط. لكن التشريع الإلهي لا يقف عند جمود القوانين، بل يرتفع بنا نحو (الإحسان)؛ وهو فضاء التسامح والعطاء الإرادي الذي يرمم العلاقات الإنسانية. وتكتمل هذه المنظومة بـ إيتاء ذي القربى، كأول تطبيق عملي للتكافل، ليبدأ الإصلاح من الدائرة الأقرب، ويتحول المجتمع إلى شبكة متماسكة من التراحم.

ثلاثية الحماية: صمام الأمان المجتمعي
في مقابل التشييد، ترسم الآية خطوطاً حمراء لحماية الإنسان من الانهيار. فتحذر أولاً من (الفحشاء)، وهي قبح السلوك في الدائرة الخاصة. ثم تتسع الدائرة إلى (المنكر)، وهو كل ما ترفضه الفطرة السوية في الفضاء العام. وتصل الذروة عند (البغي)، وهو الظلم والتعدي على حقوق الآخرين. هذا الثلاثي التحذيري هو صمام الأمان الذي يحمي الأخلاق، ويمنع تغول القوي، ويحفظ السلم الأهلي.

من سماع الموعظة إلى صناعة الأثر
إن سر الختام الأسبوعي بهذه الآية يكمن في قوله تعالى: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}؛ فالخطبة لم تكن يوماً طقساً عابراً ينتهي بانتهاء الصلاة، بل هي عملية شحن روحي مستدام. إنها دعوة لتحويل الوعظ من كلمات تُسمع بالأذن، إلى سلوكيات حية تُمارس في الأسواق والبيوت ومقار العمل، ليخرج المسلم إلى حياته حاملاً مشروعاً إصلاحياً يبدأ من ذاته.

خاتمة:
تختصر هذه الآية الوجيزة فلسفة الوجود؛ تأمر بالبناء وتمنع الهدم. ومع انقضاء يوم الجمعة، يظل السؤال الحقيقي معلقاً في ذهن كل منا: ماذا سنأخذ من نداء الجمعة إلى واقع السبت؟ إن نفع القرآن لا يتحقق بإدراك بلاغته، بل بتمثّل قيمّه. فلنجعل من العدل ميزاننا، ومن الإحسان هويتنا، ولنغلق أبواب البغي، لتستقيم حياتنا وتنعم مجتمعاتنا بالسلام الإلهي الموعود.
والسلام ؛؛؛

للتواصل :[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى