كتاب الرأي

حين يصبح الذكاء عبئًا.. دوستويفسكي وتشريح الإنسان الذي يفكر أكثر مما ينبغي

            ✍️ العميد م. ندى الخمعلي :

«الذكاء مشكلة، والتفكير مرض، وشدة الإدراك لعنة حقيقية»؛ عبارة تختصر واحدة من أكثر الأفكار النفسية والفلسفية إثارة في أدب دوستويفسكي، ذلك الأديب الذي لم يكن ينظر إلى الإنسان من الخارج، وإنما كان يغوص إلى أعماقه، حيث الصراع بين العقل والقلب، وبين الرغبة والخوف، وبين ما نعرفه وما نستطيع أن نفعله.

وفي «مذكرات من العالم السفلي» يعبّر دوستويفسكي، على لسان الشخصية الرئيسية، عن فكرة قريبة جدًا من هذا المعنى، حين يرى أن فرط الوعي مرض حقيقي، وأن الإنسان كلما ازداد وعيًا وتعقيدًا في التفكير، أصبح أكثر عرضة للتردد والتحليل والصراع الداخلي. (Perlego⁠)

فالمشكلة ليست في الذكاء ذاته، وإنما في أن يتحول الذكاء من وسيلة لفهم الحياة إلى سجن يعيش الإنسان داخله. هناك من يفكر في القرار قبل اتخاذه، ثم يفكر في نتائج القرار، ثم يعود ليسأل نفسه: هل كان القرار صحيحًا؟ وماذا لو اخترت الطريق الآخر؟ وماذا سيقول الناس؟ وماذا سيحدث غدًا؟ وهكذا يتحول التفكير من أداة تساعد الإنسان على الحياة إلى قوة تعطل قدرته على أن يعيش.

وهنا تكمن المفارقة التي التقطها دوستويفسكي ببراعة: قد يعرف الإنسان أكثر، لكنه لا يكون بالضرورة أسعد؛ وقد يدرك أكثر، لكنه لا يكون بالضرورة أكثر قدرة على الفعل.

فالوعي العميق يجعل الإنسان يرى التفاصيل التي لا يراها الآخرون، ويقرأ ما وراء الكلمات، ويلتقط التناقضات، ويعيد تحليل المواقف حتى بعد انتهائها. وقد تمنحه هذه القدرة فهمًا أعمق للحياة، لكنها في الوقت نفسه قد تحرمه من بساطة العيش وراحة النفس.

والإنسان البسيط قد يمر بالموقف وينساه، بينما الإنسان شديد الإدراك قد يحمل الموقف معه إلى الليل، ثم يعيد تفاصيله في ذهنه مرة بعد أخرى. قد يتذكر كلمة قيلت قبل سنوات، ونبرة صوت، ونظرة عين، وسؤالًا لم يجد له جوابًا. وهنا يصبح الإدراك الزائد عبئًا بدل أن يكون نعمة.

لكن هل يعني ذلك أن الجهل أفضل من المعرفة؟ بالتأكيد لا. فالمشكلة ليست في أن نفكر، وإنما في أن نفقد القدرة على التوقف عن التفكير. وليست المشكلة في أن ندرك، وإنما في أن يتحول الإدراك إلى قلق دائم. وليست المشكلة في الذكاء، وإنما في أن يصبح الذكاء أسيرًا للشك والتردد.

إن الإنسان المتوازن هو الذي يستخدم عقله دون أن يسمح لعقله بأن يستنزفه، ويفكر في المستقبل دون أن ينسى حاضره، ويتعلم من الماضي دون أن يعيش أسيرًا له.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه الفكرة أن العقل نعمة حين يكون قائدًا، لكنه قد يصبح عبئًا حين يتحول إلى سجان.

فليس كل ما نفكر فيه يستحق أن نقلق بشأنه، وليس كل ما ندركه يحتاج إلى تحليل، وليس كل سؤال يحتاج إلى إجابة فورية. أحيانًا تكون الحكمة أن تعرف متى تفكر، ومتى تتوقف عن التفكير، ومتى تترك بعض الأمور تمر دون أن تمنحها من عمرك وهدوءك أكثر مما تستحق.

لقد فهم دوستويفسكي النفس البشرية في لحظاتها الأكثر اضطرابًا؛ ولذلك بقيت أفكاره حاضرة بعد أكثر من قرن، لأنها لا تتحدث عن زمن بعينه، بل عن الإنسان نفسه.

فالذكاء بلا طمأنينة قد يتحول إلى إرهاق، والتفكير بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، والإدراك بلا حكمة قد يتحول إلى لعنة. أما حين يتوازن العقل مع القلب، والمعرفة مع السكينة، يصبح الوعي نعمة لا نقمة، وطريقًا لفهم الحياة لا سببًا للعجز عن عيشها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى