تداوَ بالتغافل… فنصف الأذى يأتي من الانتباه

✍️ العميد. م ندى الخمعلي :
في زمنٍ كثرت فيه المواقف المزعجة، وتعددت فيه الكلمات العابرة والتصرفات التي قد تُفهم بأكثر من معنى، أصبح الإنسان في حاجة إلى مهارة تحفظ له راحة قلبه وهدوء حياته، ومن أجمل هذه المهارات التغافل.
«تداوَ بالتغافل، فنصف الأذى يأتي من الانتباه»؛ عبارة تختصر تجربة إنسانية عميقة، فليس كل ما نسمعه يستحق الرد، وليس كل ما نراه يستحق الوقوف عنده، وليس كل كلمة عابرة تستحق أن نحملها معنا طوال اليوم.
والتغافل لا يعني الغفلة أو ضعف الشخصية، بل هو أن تدرك ما يحدث، ثم تختار ألا تمنحه أكبر من حجمه. وقد أوضح الشيخ سعد الخثلان أن التغافل يختلف عن الغفلة؛ فالغفلة نقص في الانتباه، أما التغافل فهو أن يعرف الإنسان الشيء ثم يتجاوز عنه بحكمة وحسن خلق. (موقع الشيخ أ.د سعد بن تركي الخثلان)
كم من علاقة انتهت بسبب كلمة كان يمكن تجاوزها، وكم من صداقة ضعفت بسبب موقف عابر، وكم من أسرة أثقلتها كثرة العتاب والمحاسبة على التفاصيل الصغيرة. إن التدقيق في كل كلمة، وتحليل كل نظرة، والبحث عن مقاصد الآخرين خلف كل تصرف، قد يحوّل الحياة إلى حالة دائمة من التوتر والشك.
التغافل هنا ليس تنازلاً عن الكرامة، ولا قبولاً بالخطأ، وإنما هو قدرة على التمييز بين ما يستحق المواجهة وما يستحق التجاوز. فهناك أخطاء عابرة يُصلحها الصمت، وهناك مواقف صغيرة يكفي معها حسن الظن، وفي المقابل هناك حقوق وأضرار لا يصح التغافل عنها، بل تحتاج إلى موقف واضح وحازم.
ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى إن التغافل من مكارم الأخلاق، لأنه يمنح الإنسان فرصة ليعيش بسلام، ويمنح الآخرين مساحة للخطأ دون أن تتحول كل هفوة إلى أزمة. وقد تناولت كتابات عديدة التغافل باعتباره من الحكمة الاجتماعية، خاصة في العلاقات الأسرية والصداقات ومحيط العمل. (الرياض)
إن الإنسان الحكيم لا يجعل أذنه صندوقاً لكل كلمة، ولا قلبه مستودعاً لكل إساءة، ولا ذاكرته سجلاً لكل زلة. يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يعاتب، ومتى يبتسم وكأنه لم يرَ شيئاً.
ولذلك، فإن التغافل ليس تجاهلاً للواقع، وإنما هو إدارة ذكية للانتباه؛ أن تختار ما يستحق أن يشغل عقلك، وما لا يستحق أن يسرق من يومك صفاءه، ومن قلبك طمأنينته.
وفي نهاية المطاف، ليست الراحة في أن تخلو حياتنا من الأخطاء والمواقف المزعجة، فهذا مستحيل، وإنما الراحة في أن نتعلم كيف نتعامل معها. فبعض الأمور علاجها الحوار، وبعضها علاجها العفو، وبعضها علاجها الابتعاد، أما كثير من صغائر الأمور فعلاجها ببساطة: التغافل.
فلا تجعل كل ما تراه يؤذيك، ولا كل ما تسمعه يستفزك، ولا كل ما تعرفه يستوجب أن تتحدث عنه.
تغافل عن الصغائر، واحفظ للقلوب ودّها، ولنفسك راحتها؛ فليس كل ما يُرى يُقال، وليس كل ما يُقال يُجاب عليه، وليس كل ما يؤلم في لحظته يستحق أن نحمله معنا إلى آخر العمر.
للتواصل : [email protected]



