لغة الشراكة.. لغةٍ يترجمها معجم الوحدة

عبدالعزيز الرحيل – كاتب راي :
الروابط الفرنسية السعودية لا تُفهم دائماً بلغة السياسة وحدها، ولا تُختصر في ملفات الاقتصاد أو المصالح أو الاتفاقيات. هناك روابط أهدأ من ذلك، وأعمق من البيانات الرسمية؛ روابط تُترجمها لغة لا تحتاج إلى مترجم، لأن مفرداتها واحدة: الإنسان، والمستقبل، والطموح، والأمل.
ربما بعض الدول لا ترتبط ببعضها لأنها تتشابه في الدين أو العرق أو الجغرافيا، بل لأنها تلتقي في شيء أكثر غموضاً وأشد قوة: أنها ترى العالم من النافذة نفسها.
أن تؤمن بأن الدولة ليست حدوداً على الخريطة، وإنما بيتٌ كبير يجب أن يشعر الإنسان داخله بالأمان. وأن التنمية ليست أبراجاً تُرى من بعيد، بل طريقاً ميسراً، ومدرسةً جيدة، وباصاتٍ تحمل الأطفال في صباحٍ هادئ، وشارعاً يصلح لحياة الناس، ومدينةً لا يشعر فيها الإنسان أن المستقبل فكرة بعيدة.
هناك فلسفة صغيرة تختبئ خلف هذه التفاصيل.
فرجل الأمن الذي يقف في الطريق لا يحرس طريقاً فقط؛ هو يحرس فكرة أن يعود الأب إلى بيته، وأن تصل الأم إلى منزلها، وأن يمضي الطفل إلى مدرسته دون خوف. والاهتمام بكبار السن ليس مجرد عادة اجتماعية؛ إنه اعتراف بأن الإنسان لا يفقد قيمته عندما يتقدم به العمر. وحتى ضحكة طفل في صباح عادي قد تكون، في معناها الأعمق، دليلاً على أن المجتمع نجح في أهم اختباراته.
ومن هنا ربما تبدأ الصداقة بين الدول.
فقد لا تكون الصداقة دائماً في الأشياء التي نملكها معاً، بل في الأشياء التي نريد أن نصنعها معاً.
فرنسا والسعودية، رغم اختلاف التاريخ والجغرافيا والتجربة، تستطيعان أن تلتقيا في مساحة أوسع من الاختلاف: في الطموح. في الإيمان بأن التاريخ ليس سجناً للماضي، وإنما مادة لصناعة المستقبل. وفي الاعتقاد بأن الدول العظيمة ليست تلك التي تتحدث كثيراً عن قوتها، بل تلك التي تستطيع أن تجعل حياة الإنسان أكثر اتساعاً وطمأنينة.
حتى البحر يدخل في هذه الحكاية.
بحرٌ يبدو من بعيد مجرد ماء، لكنه في الحقيقة عالم آخر؛ يحمل السفن والأحلام، ويفتح المدن على العالم، ويذكّر الإنسان بأن الحدود التي رسمها على الورق لا تستطيع أن تمنع الأفق من الامتداد.
ولعل أجمل ما في العلاقات بين الشعوب أنها تبدأ أحياناً من أشياء لا تُكتب في الاتفاقيات: صباحٌ مشمس، شارعٌ نظيف، طفلٌ يضحك، كبيرٌ يجد من يحنو عليه، ومدينةٌ تشعر أنها تتحرك إلى الأمام.
هذه التفاصيل الصغيرة هي السياسة في صورتها الأكثر إنسانية.
وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل دائماً: ما الذي يجمع فرنسا والسعودية؟
بل نسأل سؤالاً أكثر فلسفة:
ما الذي يجعل شعباً يشعر أن شعباً آخر يفهم شيئاً من أحلامه؟
قد تكون الإجابة هي نفسها في باريس والرياض؛ أن يعيش الإنسان بأمان، وأن يرى أبناءه أمامه، وأن يجد في وطنه مساحةً للحلم، وأن يشعر بأن المستقبل ليس مجهولاً تماماً، بل طريقاً يمكن أن يُبنى خطوةً بعد خطوة.
وفي النهاية، ربما لا تحتاج الدول التي تتشارك الطموح إلى أن تتشابه.
يكفي أن تختلف وهي تحترم اختلافها، وأن تتفق على الإنسان، وأن تنظر إلى المستقبل بالقدر نفسه من الشجاعة.
فالأوطان لا تلتقي دائماً في الماضي.
أحياناً تلتقي في الغد الذي تتمنى أن تصنعه



