تغطيات وتقارير

متحف العم حبيب البريدي.. ذاكرة المكان وروح الإنسان

عنوان – عسير – تقرير- رشيد آل جلي : 

في الجنوب الغربي لمركز قنا تقع قرية الضحي الحالمة، حيث جمال الطبيعة وروعة الإنسان، وتحتضن القرية متحف العم حبيب البريدي، الذي يضم قرابة ثلاثة آلاف قطعة تراثية وأثرية متنوعة. استمر العم حبيب في جمعها وترتيبها والعناية بها قرابة ثلاثة وثلاثين عاماً، حتى أصبح المتحف أشبه بذاكرة حيّة تختزل جانباً مهماً من تاريخ المنطقة وتراثها.

اشتملت هذه المقتنيات على أدوات الزراعة والحرث، ومختلف الأسلحة القديمة من البنادق المتنوعة والسيوف وغيرها، وكذلك المشغولات الفضية من حلي النساء، واللباس التقليدي للمرأة العسيرية، والأواني الفخارية، وأدوات طحن الحبوب قديماً، بالإضافة إلى سرر الجلوس والنوم، وجانب من العملات النقدية المعدنية القديمة.

زيارة تختصر حكاية أجيال

خلال زيارتي للمتحف، لم أشعر أنني أمام مجموعة من القطع القديمة فحسب، بل كنت أمام حكايات متراكمة اختزنها المكان وحفظتها يد إنسان أدرك مبكراً أن التراث إذا لم يجد من يحفظه، فقد تضيع تفاصيله مع مرور الزمن.

كل قطعة في المتحف تبدو وكأنها تحمل قصة؛ فهذه أداة كانت جزءاً من حياة المزارع، وتلك إناء استخدمته الأسرة في تفاصيل حياتها اليومية، وهناك حُليّ كانت تتزين بها المرأة العسيرية، ولباس تقليدي يعكس ملامح الذوق المحلي، فيما تستحضر العملات القديمة والأسلحة والأدوات المختلفة مراحل من الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي عاشها الآباء والأجداد.

ولعل أجمل ما في المتحف أنه لا يقدم التراث بوصفه أشياء جامدة موضوعة خلف الزجاج، بل يقدمه باعتباره جزءاً من حياة الناس؛ حياة كانت أكثر بساطة، لكنها كانت غنية بالقيم والعلاقات الإنسانية والتكافل والاعتماد على النفس.

العم حبيب.. جامع التراث وحارسه

ثلاثة وعشرون عاماً من الجمع والترتيب والعناية ليست زمناً قصيراً، وهي في تقديري تعكس شغفاً حقيقياً بالتراث وإيماناً بأهمية المحافظة عليه.

فالعم حبيب لم يكن يجمع الأشياء لمجرد اقتنائها، وإنما كان يجمع جزءاً من ذاكرة المجتمع، ويحاول أن يحفظ للأجيال القادمة صورة عن حياة عاشها آباؤهم وأجدادهم.

وقد لفتني خلال الزيارة حجم التنوع في المقتنيات، وهو ما يكشف عن رؤية واسعة في جمع التراث؛ فالمتحف لا يركز على جانب واحد، بل يجمع بين أدوات الزراعة، والأسلحة، والحلي، والملابس، والأواني، والعملات، وأثاث المنزل، وغيرها من التفاصيل التي كانت تشكل المشهد اليومي لحياة الإنسان في المنطقة.

من متحف خاص إلى رسالة عامة

إن مثل هذه المتاحف الخاصة تستحق الاهتمام والتشجيع، لأنها تمثل جهداً فردياً في حفظ الذاكرة الوطنية والمحلية، وتوفر للأجيال الجديدة فرصة للتعرف على جوانب من الحياة التي سبقتهم، بعيداً عن الكتب والصور والمرويات.

كما أن المتحف يمكن أن يكون محطة مهمة للباحثين والمهتمين بالتراث، ووجهة للطلاب والزوار والسياح الراغبين في التعرف على الموروث الشعبي لمنطقة عسير وما حولها.

ومن هنا فإن دعم أصحاب المتاحف التراثية الخاصة، والتعريف بمبادراتهم، وربط هذه المتاحف بالبرامج السياحية والثقافية والتعليمية، يمكن أن يسهم في تحويل الجهود الفردية إلى قيمة ثقافية أوسع يستفيد منها المجتمع.

ذاكرة لا ينبغي أن تُنسى

غادرت متحف العم حبيب البريدي وأنا أستعيد في ذاكرتي تفاصيل الزيارة، وأفكر في أن التراث ليس مجرد ماضٍ انتهى، بل هو جزء من هويتنا وامتداد لحاضرنا.

وقد تكون قيمة بعض الأشياء المادية بسيطة في نظر البعض، لكنها تصبح عظيمة حين نعرف قصتها، وندرك أنها كانت ذات يوم جزءاً من حياة أناس عاشوا على هذه الأرض، وكافحوا فيها، وبنوا أسرهم ومجتمعهم، وتركوا لنا إرثاً يستحق أن يُروى ويُحفظ.

وفي قرية الضحي، لم أجد متحفاً يضم آلاف القطع التراثية فحسب، بل وجدت رجلاً اختار أن يجعل من شغفه بالتراث مشروعاً لحفظ الذاكرة، وجدت مكاناً يعيد للزائر شيئاً من عبق الماضي، ويقول لنا ببساطة:

إن الأمم التي تحفظ ذاكرتها، تعرف طريقها إلى المستقبل.

فشكراً للعم حبيب البريدي على هذا الجهد، وشكراً لكل من يسهم في حفظ تراثنا الشعبي وتاريخنا المحلي، فمثل هذه المبادرات تستحق أن تُرى وتُروى وتصل إلى الأجيال القادمة.

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى