حين يتخفّى المعنى خلف القصيد: جمالية الرمز في المحاورة الشعبية.

✍️ د.علي عالي السعدوني – كاتب رأي :
ليست المحاورة الشعرية ميدانًا لاستعراض سرعة البديهة وحدها، ولا مباراةً تنتهي بانتهاء البيت وردِّ خصمه عليه بل قد تتحول حين يكون الشاعران على درجة عالية من الذكاء إلى لعبة لغوية شديدة الدقة يُخفي فيها كل شاعر مقصده داخل صورة، ويضع المعنى خلف ستار من الرمز ثم يترك للآخر مهمة كشفه والرد عليه من داخل العالم الرمزي نفسه؛ ولذلك فإن جمال بعض المحاورات لا يُدرك بسماع ظاهر الأبيات، وإنما يبدأ حين نسأل: ماذا أراد الشاعر أن يقول من غير أن يقوله؟
وهذه المحاورة بين عبدالله التويم وجمعان القحطاني مثال جميل على ذلك؛ عبدالله التويم يقول:
(اثرك اللي يشوف العود مثل السيف ابوحدين
وتحسب كل مركوب يسير بأربع حصاني
انا طيري يصيد خيارهن ويدسم الكفين
ظلمته يوم هديته على صفرد وسماني)
ظاهر الأبيات يأخذنا إلى عالم الأشياء المألوفة في البيئة الشعبية: العود، والسيف، والمركوب، والحصان، والطير، والصيد، والصفرد، والسمان، غير أن الشاعر لا يريد لهذه المفردات أن تبقى عند حدود معناها المعجمي؛ فهو يبني منها معجمًا رمزيًا كاملًا تتحول فيه الأشياء إلى مراتب، والكائنات إلى قيم، والصيد إلى اختبار للكفاءة.
تبدأ الصورة بقوله: (يشوف العود مثل السيف أبو حدين)، وهذه ليست مقارنة بريئة بين شيئين، وإنما سخرية من اختلال ميزان التقدير؛ فالعود شيء، والسيف ذو الحدين شيء آخر، والمسافة بينهما ليست في الهيئة وحدها بل في القيمة والفاعلية والرهبة، وكأن عبدالله التويم يقول لمخاطبه: إن مشكلتك ليست في الأشياء، وإنما في العين التي تنظر إليها، فأنت تساوي بين ما لا يتساوى، وترفع العادي إلى منزلة الاستثنائي.
ثم يعمّق الفكرة بقوله: (وتحسب كل مركوب يسير بأربع حصاني)، فتتسع الرمزية من العود والسيف إلى المركوب والحصان، ويعود المعنى نفسه بثوب آخر: ليس كل ما يحمل الإنسان حصانًا كما أن ليس كل ما يشبه القوة قوةً، وليس كل من دخل ميدانًا استحق منزلة فرسانه. وفي هذا تتشكل المفارقة؛ فالشاعر لا يصرح بقوله: أنت لا تحسن التفريق بين المراتب، وإنما يجعل المتلقي يستنتجها، وما يستنتجه المتلقي بنفسه يكون أبلغ مما يُلقى عليه جاهزًا.
ثم ينتقل عبدالله التويم إلى صورة أكثر ثراء:
(أنا طيري يصيد خيارهن ويدسم الكفين)
فالطير في هذا يتجاوز كونه طائر صيد، ليغدو رمزًا للقدرة والمهارة وعلو الهمة؛ إنه لا يقع على كل صيد، وإنما ينتقي (خيارهن)، وفي هذه المفردة تحديدًا تتجلى فكرة الاصطفاء، فالقيمة ليست في الصيد ذاته بل في نوع الفريسة التي يستحقها الصقر.
ثم تأتي الضربة الأشد ذكاء:
(ظلمته يوم هديته على صفرد وسماني)
فالظلم في هذا ليس ظلمًا حقيقيًا للطير، وإنما ظلم المنزلة حين توضع في غير موضعها؛ فالصقر الذي اعتاد النفائس يصبح إطلاقه على الصيد اليسير انتقاصًا من قدره قبل أن يكون انتصارًا عليه. وهذه صورة يمكن أن تتجاوز سياق المحاورة إلى معنى إنساني واسع: قد يُظلم المقتدر لا حين يُمنع من العمل بل حين يُكلَّف بما هو أدنى من قدرته، ويُظلم المبدع حين يوضع في ميدان لا يحتاج إلى إبداعه، كما يُهان السيف إذا استُعمل فيما تكفيه عصا.
لكن جمال المحاورة يكتمل حين يأتي القحطاني، فلا يخرج من الحقل الرمزي الذي صنعه خصمه بل يدخل إليه ويعيد ترتيب رموزه:
(تهرج يالتويمي وكن فطين لاتحوس الطين
والى جتك الجنازة حطها في القبر واكفاني
انا ماسب من قدم لضيفانه سمن وسمين
يوفي قومته ويجازي الإحسان بإحساني)
قوله (لا تحوس الطين) صورة شعبية شديدة التكثيف؛ فالطين إذا حُرّك ازداد اضطرابًا، وما كان يمكن تجاوزه قد يتحول إلى فوضى، وكأن المعنى: لا توسع القول حتى يفضح ما كان مستورًا، ولا تعبث بالمعاني أكثر مما تحتمل، ولا تجعل الرمز الذي أردته ساترًا يتحول بكثرة تحريكه إلى كاشف.
ثم يقفز جمعان القحطاني إلى صورة مفاجئة:
(وإلى جتك الجنازة حطها في القبر واكفاني)
وهو انتقال بالغ الجرأة من الطين إلى الجنازة والقبر والكفن غير أن الرابط بين الصور قائم في العمق؛ إنه معنى الحسم. فالجنازة لا تحتاج إلى جدل بعد وصولها، وإنما إلى أن توضع في موضعها الأخير. وكأن جمعان القحطاني يقول: إذا انتهى المعنى فلا تستنزفه، وإذا حُسم الأمر فلا تُعِد فتحه، وهي طريقة ساخرة في مطالبة الخصم بأن يعرف أين ينبغي للكلام أن يتوقف.
ثم يختار جمعان القحطاني طريقًا مختلفًا في الرد، فلا يلاحق مفردات الصقر والصفرد والسمان واحدةً واحدة، وإنما ينتقل إلى قيمة عربية مركزية هي الكرم:
(أنا ما أسب من قدم لضيفانه سمن وسمين)
وبهذا ينقل المواجهة من معيار القوة والاصطياد إلى معيار المروءة؛ فالإنسان عنده لا يُختصر في كونه خصمًا، ومن كان كريمًا مع ضيفه لا يُمحى فضله بسبب مواجهة عابرة ثم يختم بقوله:
(يوفي قومته ويجازي الإحسان بإحساني)
فتتحول المحاورة من التحدي إلى ميثاق أخلاقي خفي نستطيع أن نتنافس دون أن نسلب بعضنا الفضائل، وأن نهجو الفكرة دون أن نهدم قيمة صاحبها، وأن تكون الكلمة حادة دون أن تكون دنيئة.
هذه هي جمالية الرمزية في المحاورة الشعبية؛ إنها تجعل الشاعر يقول الشيء ونقيضه في المساحة نفسها يمدح وفي المدح وخزة، ويعاتب وفي العتاب احترام، ويهدد بالصورة دون أن يسمي ما وراءها، ويرفع نفسه دون أن يقول صراحةً: أنا أعلى منك. إن السيف والحصان والصقر والصيد والطين والجنازة والسمن والضيف ليست أشياء متناثرة في أربعة أبيات بل منظومة علامات لكل علامة وظيفة في الصراع الشعري.
والأجمل أن الشاعرين لم يقولا كل شيء، وهذه تحديدًا فضيلة الرمز؛ فالشعر الذي يشرح نفسه حتى آخر قطرة يفقد شيئًا من سحره أما الشعر الذي يترك وراءه بابًا مواربًا فإن المتلقي يصبح شريكًا في صناعة المعنى يسمع البيت مرة ليستمتع بإيقاعه، ومرة ثانية ليفهم قصده، ومرة ثالثة ليكتشف أن تحت الكلام كلامًا آخر.
في المحاورة العظيمة لا ينتصر الشاعر حين يقول أكثر بل حين يجعل القليل الذي قاله يحتمل أكثر مما قال.



