لماذا يفشل الطبخ الجيد في الوصول إلى الناس؟

✍️د. حليمة عسيري – كاتبة وشيف وبرفسفورة :
قبل أسابيع، وقفت أراقب متدربة شابة تحاول إعادة تحضير طبق شاهدته للتو في مقطع مصور قصير. حركاتها دقيقة، وأدواتها جاهزة، وحماسها لا يخفى. لكن حين سألتها: “لماذا وضعتِ الملح في هذه المرحلة بالذات؟” — صمتت. لم تكن تعرف. كانت تكرر، لا تطبخ.
هذا المشهد الصغير يلخص أزمة أكبر بكثير مما يبدو: نحن نستهلك الطبخ اليوم أكثر مما نفهمه.
## المطبخ الذي نراه، والمطبخ الذي نعيشه
صار الطبخ في زماننا مادة عرض قبل أن يكون فعل معرفة. تتوالى المقاطع، وتتلألأ الأطباق، وتتسابق الوصفات على الانتشار، بينما يبقى السؤال الأهم غائباً: هل يفهم من يشاهد ما يحدث فعلاً في المقلاة؟ أم أنه فقط يحفظ تسلسلاً من الخطوات كما يحفظ رقم هاتف؟
الفرق بين الاثنين جوهري. من يحفظ الخطوات ينجح أحياناً ويفشل أحياناً أخرى دون أن يعرف لماذا. أما من يفهم، فيمكنه أن يرتجل حين تنقصه مكوّن، وأن يصحح مساره حين يميل الطبق عن المسار الصحيح، وأن يبتكر حين يريد.
وهنا يكمن جوهر ما ينبغي أن يقدمه التدريب الطهوي الحقيقي: ليس نقل الوصفة، بل نقل المنطق الذي تقوم عليه. لماذا نضيف الحمض في هذه اللحظة لا قبلها؟ لماذا تتغير قوام الصلصة حين ترتفع الحرارة درجة واحدة؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع طاهياً، بينما حفظ الخطوات يصنع فقط منفذاً مؤقتاً لعملية لا يملك زمامها.
## حين تتحول المهارة إلى استعراض
المفارقة أن ثقافتنا الطهوية المعاصرة تكافئ الاستعراض أكثر مما تكافئ الفهم. الطبق الذي “يبهر” في الصورة ينتشر، بينما الشرح الذي يوضح “لماذا نجح هذا الطبق” يمر دون أن يلتفت إليه أحد. صرنا نقيس نجاح المحتوى الطهوي بعدد المشاهدات، لا بعدد من فهموا وأتقنوا وتحرروا من الحاجة للوصفة.
وهذا لا يعني أن الجانب البصري للطبخ غير مهم؛ فالعين تأكل قبل الفم، كما يقال. لكن حين يصبح الاستعراض غاية في ذاته، ننسى أن الطبخ في أصله علم قبل أن يكون فناً، وأن الفن الحقيقي فيه لا يُبنى إلا على أساس من الفهم الدقيق للمواد وتفاعلاتها.
## ما الذي يجب أن يتغير؟
المسؤولية هنا لا تقع فقط على المتلقي، بل على كل من يقدّم محتوى طهوياً أو يصمم برنامجاً تدريبياً. حين نُعِدّ مادة تدريبية، السؤال الذي ينبغي أن يقودنا ليس “كيف نجعل هذا يبدو جذاباً؟” بل “كيف نجعل هذا يُفهَم؟”. الفرق بينهما هو الفرق بين متدرب يخرج بعد ثلاثة أيام حاملاً وصفات محفوظة، ومتدرب يخرج حاملاً أداة تفكير يستطيع أن يطبقها على أي طبق يواجهه لاحقاً.
التدريب الطهوي الجاد يشبه تعليم اللغة: لا تكفي حفظ الجمل الجاهزة، بل لا بد من فهم القواعد التي تسمح لك ببناء جمل جديدة لم تسمعها من قبل. من يتقن القاعدة يتحدث بحرية، ومن يحفظ الجمل فقط يبقى أسير ما حفظ.
## في النهاية
الطبخ الجيد لا يفشل في الوصول إلى الناس لأنه معقد أو نخبوي، بل لأننا اخترنا — بوعي أو دون وعي — أن نقدّمه بطريقة تكرّس الاستهلاك السريع بدل الفهم العميق. وحين نعيد ترتيب الأولويات، ونضع “لماذا” قبل “كيف”، عندها فقط يتحول المطبخ من مسرح للعرض إلى مساحة حقيقية للمعرفة والإتقان.
تلك المتدربة التي وقفت صامتة أمام سؤالي، عادت بعد أيام لتشرح لي بثقة سبب كل خطوة في طبق جديد لم تتدرب عليه من قبل. لم يتغير شيء في الوصفات التي قدّمناها لها، بل تغير المنهج: صرنا نعلّم “لماذا”، لا “كيف” فقط.
للتواصل :[email protected]



