الشوق… حين يصبح الغياب حضورًا

✍️ فدوى الطيار – كاتبة رأي :
هل الشوق مجرد حنين إلى شخص غائب؟
أم أنه شيء أعمق من ذلك بكثير؟
الشوق هو ذلك الشعور الذي لا نختاره، ولا نستطيع أن نأمر القلب بالتوقف عنه. يأتيك فجأة، في أغنية، في مكان، في رائحة، في كلمة، أو حتى في لحظة صمت طويلة… فتجد شخصًا بعيدًا عنك حاضرًا في كل تفاصيلك.
يقولون: «الشوق قتال»، ولعلهم صدقوا؛ لأن الشوق معركة لا يسمع صوتها أحد، يخوضها الإنسان وحده بين قلب يريد الاقتراب، وعقل يحاول أن يبدو قويًا.
نشتاق لمن جعلوا للحياة معنى مختلفًا، لمن كانت ضحكتهم وطنًا، وصوتهم أمانًا، ووجودهم تفصيلًا صغيرًا لكنه كان يصنع يومًا كاملًا.
وأصعب أنواع الشوق أن تشتاق لشخص تستطيع الوصول إليه، لكن بينك وبينه مسافة لا تُقاس بالكيلومترات… بل بالمشاعر والظروف والصمت.
قد يمر يوم كامل دون أن تقول اسمه، لكنك تراه في كل شيء.
تفتح هاتفك وكأنك تنتظر رسالة منه.
تسمع أغنية فتشعر أنها كُتبت عنكما.
تمر بمكان جمعكما يومًا، فيتوقف قلبك للحظة وكأن الزمن عاد بك إلى تلك اللحظة.
الشوق لا يحتاج إلى موعد.
إنه يأتي في منتصف الليل، حين تهدأ الأصوات من حولك، وتبقى أنت وحدك مع قلبك. عندها لا تستطيع أن تكذب على نفسك، ولا أن تتظاهر بأنك تجاوزت، فتكتشف أن بعض الأشخاص لا يغيبون عندما يبتعدون… بل يسكنون فينا أكثر.
والغريب في الشوق أنه يجعلك تتمنى أبسط الأشياء.
أن تسمع صوته.
أن تراه أمامك ولو لدقائق.
أن تقول له: «اشتقت لك» دون أن تخاف من ردّه.
أن تلتقي عيناك بعينيه، فتختصر كل الكلمات التي عجزت عن قولها.
وربما أجمل ما في الشوق أنه دليل على أن القلب ما زال حيًا، وأن هناك أشخاصًا مروا في حياتنا ولم يكونوا عابرين.
فبعض الناس لا نشتاق إليهم لأنهم بعيدون فقط، بل لأن وجودهم كان يشبه شيئًا لا نستطيع تعويضه.
ولهذا، إن سألتني: هل الشوق قتال؟
سأقول لك:
نعم… الشوق قتال، لكنه قتال من نوع آخر؛ قتال بين قلب يريد أن يركض نحو من يحب، وكبرياء يحاول أن يمنعه. بين رسالة كتبتها ألف مرة ولم ترسلها، واعتراف تخشى أن تقوله. بين «أنا بخير» التي نقولها للناس، و«أنا أشتاق إليك» التي يقولها القلب في صمت.
وفي النهاية، ليس أقسى ما في الشوق أن يغيب من نحب، بل أن يبقى حاضرًا في كل شيء، بينما نعجز عن الوصول إليه. أن نواصل أيامنا بوجه هادئ، ونحمل في أعماقنا ضجيجًا لا يهدأ؛ نضحك مع الآخرين، ثم نعود إلى وحدتنا فنجد اسمه جالسًا في المكان الذي تركه.
فيا من يسكن القلب رغم المسافات، يا من لم يطفئ الغياب صورتك بل جعلها أوضح في الذاكرة، اعلم أن هناك قلبًا لا يزال يحتفظ لك بمكان لا يبلغه النسيان. قلبًا كلما أقبل الليل، أطفأ العالم أنواره، وأشعل في داخله نافذة صغيرة تطل على احتمال عودتك.
وإن طال الغياب، فلن يكون الشوق هزيمتي؛ سأحمله كدليل على حبٍّ لم يكن عابرًا، وأمضي به حتى آخر الطريق. فإن كان لنا لقاء، وجدتك واقفًا في آخر انتظاري، وإن لم يكن، فستبقى في قلبي كضوءٍ بعيد؛ لا أستطيع بلوغه، ولا أملك أن أطفئه. ❤️
للتواصل : [email protected]



