حين تتحدث الأخلاق عن نفسها

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :
هناك عبارات لا تستوقفك لأنها جديدة، بل لأنها تأتي أحياناً ممن تعرف عنه ما يجعل العبارة نفسها موضع سؤال.
تقرأ:
(عاملتهم بطيبتي، فانكشفت أخلاقهم).
فتتوقف.
ليس لأن الطيبة لا تُستغل، ولا لأن بعض المواقف لا تكشف الناس، ولكن لأن السؤال الأهم أحياناً هو
ومن قال إن كل من وصف نفسه بالطيب كان طيباً فعلاً؟
نحن نجيد رواية الحكايات من الزاوية التي تحفظ صورتنا جميلة.
نتذكر ما قيل لنا، وننسى ما قلناه.
نحصي أخطاء الآخرين، ونمنح أخطاءنا أسماء ألطف.
نسمي القسوة صراحة، والتجريح ردة فعل، والإساءة دفاعاً عن النفس، ثم نقف في نهاية الحكاية ونقول
(أنا كنت طيباً).
لكن الطيبة ليست شهادة يكتبها الإنسان لنفسه.
الطيبة تظهر حين تختلف فلا تهين، وحين تغضب فلا تفضح، وحين تنتهي علاقتك بإنسان فلا تجعل منه مادة لحالة أو تلميح أو حديث مجلس.
فالستر بعد الخصومة خُلق.
والعدل عند الغضب خُلق.
وحفظ العشرة بعد انتهائها خُلق.
أما الحديث الجميل عن النفس، فيستطيعه الجميع.
وهنا يكمن الفرق بين من يتحدث عن الطيبة، ومن يمارسها حين لا يراه أحد.
فالقيم التي نحتاج أن نكررها كثيراً عن أنفسنا، ربما نحتاج أن نعيشها أكثر، لأن أجمل الصفات هي تلك التي يكتشفها الناس في مواقفنا قبل أن يسمعوها في كلماتنا.
فالإنسان لا يُختبر كثيراً في أيام الرضا.
في الرضا كلنا نستطيع أن نكون لطفاء، لكن الغضب يختبر التربية، والخلاف يختبر العدل، والفراق يختبر الوفاء.
هناك تظهر الأخلاق الحقيقية.
ولذلك لا أعرف الإنسان من حديثه عن نفسه بقدر ما أعرفه من حديثه عمّن اختلف معهم، ولا من لطفه مع من يوافقه، بل من عدله مع من يخالفه.
فبعض الناس يملكون قاموساً جميلاً جداً للأخلاق، لكن القاموس شيء، والسلوك شيء آخر.
والمشكلة ليست أن نخطئ، فنحن بشر.
المشكلة أن نعيش مقتنعين أننا دائماً الطرف الأنقى، وأن كل من اختلف معنا كان سيئاً، وكل من ابتعد عنا كان جاحداً.
أحياناً نحتاج إلى سؤال واحد فقط
هل أنا كما أصف نفسي حقاً؟
فالمواقف لا تكشف الآخرين وحدهم.
هي تكشفنا نحن أيضاً.
| ومضة أخيرة |
قبل أن تقول: (انكشفت أخلاقهم)، تأكد أنك لم تكن في اللحظة نفسها تكشف أخلاقك أنت، فالمواقف لا تضع طرفاً واحداً أمام المرآة، بل تضع الجميع.
للتواصل :[email protected]



