كتاب الرأي

نحن أبناء ما نشاهد

       ✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة راي : 

لم تعد الأفلام والمسلسلات مجرد وسيلة للترفيه أو فسحة نهرب إليها من ضجيج الحياة، لكنها أصبحت جزءًا من الوعي الجمعي، تؤثر في ذائقتنا، وتعيد تشكيل بعض مفاهيمنا عن الحب والجمال والنجاح والجريمة والعلاقات الإنسانية، فالمشهد الذي ينتهي على الشاشة قد لا ينتهي أثره عند المشاهد، فقد يحمل معه أفكاره إلى بيته، وعلاقاته، وحتى إلى الشارع الذي يعيش فيه.
لطالما كان الفن مرآة للمجتمع، لكنه في عصر الصورة لم يعد يكتفي بعكس الواقع، أحيانًا يصنع واقعًا جديدًا، فالدراما حين تكرر نموذجًا معينًا للحياة، أو تقدم سلوكًا ما بصورة جذابة، فإنها تمنحه حضورًا يتجاوز حدود الحكاية، ومع كثرة التكرار، تبدأ الصورة المتخيلة في الإقتراب من الحقيقة، حتى يصبح السؤال ملتبسًا: هل الشاشة تصف المجتمع كما هو، أم أنها تعلّمه كيف يكون؟
ولعل أكثر ما تكشفه الدراما هو علاقتنا بالعنف والجريمة، فقد جعلتنا بعض الأعمال نقترب من شخصية المجرم، نفهم دوافعه، ونعرف ضعفه وماضيه، وربما نتعاطف معه، وهذه إحدى أجمل وظائف الفن حين تقودنا إلى فهم النفس البشرية، لكنها تصبح خطرة حين يتحول التعاطف إلى إعجاب، وحين يصبح المجرم بطلًا والضحية مجرد تفصيل في الحكاية، فالصورة حين تكرر تقديم الجريمة بإعتبارها ذكاءً أو بطولة أو وسيلة للخلاص، قد تساهم دون قصد في تغيير حساسية المجتمع تجاهها.
والأمر ذاته يحدث في العلاقات الإنسانية، لقد صنعت الدراما صورة رومانسية للحب جعلت كثيرين يبحثون في الواقع عن المشهد السينمائي: اللقاء الإستثنائي، النظرة الطويلة، الشخص الذي يفهم كل شيء دون حديث، والنهاية التي تنتصر فيها المشاعر على كل شيء، لكن الحياة لا تكتب حواراتها بالطريقة ذاتها التي تكتب بها السينما نصوصها، ففي الحياة هناك مسؤوليات وإختلافات وصمت وتعب ومواقف لا ترافقها موسيقى تصويرية، وحين نقيس العلاقات الحقيقية بمقاييس الدراما، قد يبدو الواقع ناقصًا، لا لأنه ناقص فعلًا، وإنما لأن الشاشة رفعت سقف التوقعات إلى مستوى لا تستطيع الحياة اليومية أن تبلغه دائمًا.
حتى مفهوم الجمال لم يعد بريئًا من سلطة الصورة، فالمشاهد يتعرض يوميًا لنماذج منتقاة من الوجوه والأجساد والملابس وأنماط الحياة، ومع الوقت قد تتحول هذه النماذج إلى معايير داخلية نحاكم بها أنفسنا والآخرين، وهنا لا يعود الإنسان يرى نفسه كما هو، ولكن كما تعوّد أن يرى الآخرين على الشاشة، وربما لهذا أصبح بعض الناس في صراع دائم مع المرآة، لأنهم لا يقارنون أنفسهم بالحياة، إنما بصورة مصنوعة بعناية من أجل الشاشة.
ومع ذلك، لا يمكن أن نحمل الأفلام والمسلسلات وحدها مسؤولية التحولات الإجتماعية، فالدراما إبنة المجتمع قبل أن تكون مؤثرة فيه، فهي تستمد موضوعاتها من الواقع، وتلتقط مخاوفه وتناقضاته وأحلامه، لذلك فإن العلاقة بين الشاشة والمجتمع ليست علاقة تأثير في إتجاه واحد، وإنما هي دائرة متشابكة: المجتمع يمنح الفن مادته، والفن يعيد تقديمها بصورة تؤثر في المجتمع من جديد.
وهنا تكمن قوة الفن الحقيقية، فكما يستطيع العمل الدرامي أن يطبع العنف أو يجمّل السلوكيات السلبية، يستطيع أيضًا أن يفتح أعيننا على قضايا لم نكن نراها، وأن يمنح المهمش صوتًا، وأن يجعلنا نقترب من حياة أشخاص لم نلتق بهم، وأن يوقظ في داخلنا التعاطف والأسئلة، أحيانًا يستطيع مشهد واحد أن يفعل ما تعجز عنه عشرات الخطب، لأن الإنسان لا يتغير دائمًا بالمعلومة، ولكنه قد يتغير حين يرى نفسه في حكاية شخص آخر.
المشكلة إذن ليست في أن تعبر الحكايات من الشاشة إلى الشارع، فهذا جزء طبيعي من وظيفة الفن، وإنما في أن نعبر نحن إلى تلك الحكايات دون وعي، أن نخلط بين ما يصلح للدراما وما يصلح للحياة، وبين الشخصية التي كُتبت لتكون مثيرة وبين السلوك الذي يمكن أن نعيشه في الواقع.
فالشاشة ليست بريئة تمامًا، لكنها ليست مذنبة دائمًا، إنها أداة، وقوة تأثيرها تتشكل من الطريقة التي نستخدمها بها، ومن قدرتنا على القراءة خلف الصورة لا الإكتفاء بها، وربما نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مشاهد لا يكتفي بأن يسأل: ماذا حدث؟ بل يسأل أيضًا: ماذا يريد هذا المشهد أن يجعلني أشعر؟ وماذا يريد أن يجعلني أصدق؟
وفي الختام قد تنطفئ الشاشة، لكن الصورة لا تنطفئ بالضرورة داخلنا، بعض المشاهد تعبر معنا إلى الشارع، وبعض الحوارات تستقر في وعينا، وبعض الشخصيات تصبح جزءًا من الطريقة التي نفهم بها العالم، ولهذا فإن العلاقة بين الفن والمجتمع ليست علاقة متفرج بما يشاهده، وإنما علاقة إنسان بما يسمح له أن يسكن داخله.
فما يبدأ على الشاشة قد ينتهي في الشارع، وما نراه مرارًا قد يتحول إلى فكرة، والفكرة حين تتكرر قد تتحول إلى سلوك، والسلوك حين يصبح جماعيًا قد يتحول إلى ثقافة.
وهنا لا تعود المسألة: ماذا تعرض الشاشة؟ لكن ماذا نسمح لها أن تصنع فينا.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى