كتاب الرأي

حين يتحدث الإنجاز

 ✍️ صالح بن سعيد الحمداني ـ كاتب رأي :

في زمنٍ أصبحت فيه الضوضاء أعلى من الإنجاز، وكثرت فيه الوعود وقلّ فيها الفعل، بات الصمت المقرون بالعمل قيمة نادرة، لكنه في الوقت ذاته الطريق الأكثر صدقًا نحو النجاح الحقيقي، فليس كل من تحدث كثيرًا أنجز، وليس كل من صمت كان عاجزًا، فالواقع والتجارب يؤكدان أن أعظم النجاحات وُلدت في هدوء، ونمت بعيدًا عن الأضواء، ثم ظهرت قوية لا تحتاج إلى تبرير، لقد اعتاد الناس خصوصًا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، على قياس النجاح بكمية الكلام، وعدد المتابعين، وحجم الظهور الإعلامي، غير أن هذه المقاييس غالبًا ما تكون خادعة، إذ قد تلمع الأضواء حول أشخاص لم يقدموا بعد ما يستحق كل هذا الصخب، بينما يعمل آخرون في صمت، بعيدًا عن الأعين، ليصنعوا إنجازات راسخة تبقى آثارها طويلة الأمد، هنا يتجلى المعنى العميق لعبارة عندما تصمت وتعمل، يتحدث النجاح بدلاً عنك.

الصمت في هذا السياق يعني التحرر من الحاجة المستمرة للتبرير والتفاخر ولا يعني الانعزال أو السلبية، إنه اختيار واعٍ بالتركيز على الفعل لا القول، وعلى البناء لا الاستعراض، فالعمل الصامت يمنح صاحبه مساحة أكبر للتفكير، ويبعده عن ضغوط التوقعات الفارغة، ويجعله أكثر قدرة على التطور بثبات، وفي المقابل كثيرًا ما يستهلك الكلام المفرط طاقة الإنسان، فيتحول إلى بديل وهمي عن الإنجاز الحقيقي، وفي عالم الصحافة والأعمال والفكر، نجد أن التجارب الناجحة غالبًا ما بدأت بأشخاص آمنوا بأفكارهم، وعملوا عليها بصبر، دون أن يسعوا منذ البداية إلى إقناع الجميع بها، كانوا يدركون أن الإقناع الحقيقي لا يأتي عبر الخطب الطويلة ولكنهم يجدونه عبر النتائج الملموسة، فحين يرى الناس أثر العمل، يصبح الكلام زائدًا عن الحاجة، بل إن النجاح نفسه يتحول إلى رسالة واضحة لا تحتاج إلى شرح.

كما أن العمل في صمت يجنّب الإنسان الوقوع في فخ المقارنات، فالكثير من الإحباط الذي يصيب الطموحين اليوم نابع من مقارنة البدايات الصغيرة بإنجازات الآخرين النهائية، وهي مقارنة ظالمة وغير منصفة، الصامت العامل لا ينشغل بما يفعله غيره فهو يضع نصب عينيه هدفه الخاص، ويسير نحوه بخطوات ثابتة، مدركًا أن لكل طريق وقته ولكل نجاح ثمنه، ومن زاوية أخرى فإن الصمت يمنح العمل مصداقية أعلى فعندما يكثر الحديث عن مشروع ما قبل اكتماله، ترتفع التوقعات، وقد تتحول إلى عبء ثقيل على صاحبه، أما حين يُنجز العمل أولًا، ثم يُعرض للناس في صورته النهائية فإنه يُقابل عادةً بالاحترام والتقدير، فالناس بطبعهم يثقون بما يرونه أكثر مما يسمعونه، ويقدّرون من يقدّم فعلًا لا وعدًا.

اعمل واترك أثرًا ضع بصمتك وبهدوء ارحل، نعم ارحل بصمت واترك عملك ونجاحك وما حققته يتحدث ويروي قصتك، قصة الإخلاص والوفاء قبل أن تكون قصة إنجاز، فليس المهم أن يُرفع اسمك عاليًا في كل مجلس، ولا أن تتصدر صورتك العناوين، إنما الأهم أن تترك خلفك بصمة صادقة تشهد لك حين تغيب، دع أفعالك تحكي عنك وتروى قصتك، ودع من تعاملوا معك يذكرونك بين أنفسهم، وإن لم يكن ذلك في العلن، في قرار أنفسهم يعلمون أنك صاحب البصمة وأن لحضورك هيبة تُربك حضورهم، فالأثر الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، والنجاح الصادق يعيش في القلوب قبل أن يُكتب في السجلات، ولا يمكن إغفال البعد الأخلاقي في هذه الفكرة، فالتواضع الذي يُعد ركيزة أساسية في الشخصيات الناجحة، يجد في الصمت بيئة مثالية للنمو. التواضع لا يعني التقليل من قيمة الذات فهو في الحقيقة يعني ترك مساحة للإنجاز ليتحدث، دون تضخيم للنفس أو انتقاص من الآخرين، وهذا ما يجعل النجاح الناتج عن عمل صامت أكثر قبولًا وتأثيرًا في المجتمع، وفي المؤسسات كما في الأفراد يظهر الفرق جليًا بين ثقافة الكلام وثقافة العمل، فالمؤسسات التي تكثر من الشعارات دون تنفيذ، سرعان ما تفقد ثقة جمهورها، بينما تلك التي تركز على الأداء وتحسين الجودة، حتى وإن لم تتصدر العناوين يوميًا، تبني سمعة قوية ومستدامة، فالسمعة مثل النجاح لا تُصنع بالكلمات وحدها ولكنها تتشكل عبر تراكم الأفعال.

في ختام حديثي هذا أرى من وجهة نظري لا يعني الصمت أن نتخلى عن التعبير أو المشاركة فهو بمعناه الحقيقي يجب أن نعيد ترتيب الأولويات العمل أولًا ثم الكلام عند الحاجة، فالكلمات قد تُنسى، أما النتائج فتبقى شاهدة، وعندما يأتي النجاح نتيجة جهد حقيقي وإخلاص صادق، فإنه لا يطرق الأبواب خجلًا وإنما يدخل بثقة ويجعل الجميع يلتفت، دون أن يرفع صاحبه صوته، هكذا هو النجاح والعمل والإخلاص، وعندما نصمت ونعمل يتحدث النجاح بدلاً عنا، ويروي قصتنا كما هي… بلا مبالغة ولا ضجيج، ونرحل بصمت كما عملنا بصمت ويبقى الأثر خالدًا.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى