عند انحناءة الطريق يتوقف الزمن.. وهناك رأيتُ ما لا ينبغي لأحدٍ أن يراه

✍️عائشه السبيعي – كاتبه سعوديه :
ثمة لحظات في الحياة تتجاوز حدود ما ندركه بحواسنا المعتادة، أحداثٌ تنزعنا من واقعنا المألوف لتضعنا وجهاً لوجه أمام ما حسبناه بعيداً كل البعد عن عالمنا.
ثمة طرقاتٌ نسلكها كل يوم، لكنها في لحظةٍ يطبق فيها الصمتُ على المكان، تُحبسُ أنفاس الطريق لتروي لنا حكايةً لا تُحكى ولا تُنسى.
هذه ليست مجرد سطورٍ تُقرأ، بل هي تجربةٌ عشتُ تفاصيلها بكل كياني، ودفعتني لأتأمل في أسرار هذا الكون الفسيح وما أخفاه الله عن الأبصار.
خرجتُ في ذلك اليوم لزيارة امرأةٍ من أقارب أمي، وبرفقتي طفلان صغيران؛ أحدهما في الرابعة، والآخر لم يتجاوز الثالثة.
كان الوقت بُعيد العصر، والبيت يبعد عن بيت والدي قرابة نصف ساعة مشياً على الأقدام.
وسط طريقٍ تشقه المزارع، يمتد بينها يميناً وشمالاً كأنه متاهةٍ لا تنتهي.
كان كل شيءٍ ساكناً إلى حدٍ يبعث على الوجل، والشارع الذي اعتاد أن ينبض بحركة الناس والسيارات قد بدا خاوياً تماماً، يخيم عليه صمتٌ ثقيلٌ مريب، كأنما المكان قد تنفّس ثم حبس أنفاسه استعداداً لما سيحدث.
عند انحناءة الطريق.. توقف الزمن فجأة، وهناك رأيتُ ما لا ينبغي لأحدٍ أن يراه.
أبصرتُ امرأةً تشبه جارةً سابقةً لأهلي؛ قصيرة القامة، لا يتجاوز طولها نحو 130 سم، غير أن جارتنا كانت ترتدي البرقع، أما هذه فقد اتشحت بحجابٍ أسود كاملاً يلفها من رأسها حتى أخمص قدميها، لا يظهر منها شيء سوى ظل جسدها الواقف كالصخرة.
لا أعلم كيف ولا من أين ظهرت في تلك اللحظة، كانت تفصلنا عنها عشر خطواتٍ لا أكثر، ثم في لمح البصر.. كانت واقفةً أمامي مباشرة، بلا خطوةٍ ولا حركة، كأنما انبثقت من صميم الطريق نفسه.
وفي تلك اللحظة بالذات.. وكأنني جمدت في مكاني بلا حركة.
فقط عيناي اللتان كانتا تتحركان يميناً ويساراً.
لم أستطع تحريك إصبعٍ ولا خطوة، لم يبقَ لي من حركة سوى ناظري تتابعان المشهد وأنا عاجزةٌ تماماً.
لم أشعر بخوفٍ ولا رعبٍ في تلك اللحظة، لم أشعر بشيءٍ سوى هذا الجمود، وكأنني لستُ أنا نفسي، بل مجرد عينين تتحركان فقط يمينآ ويسارآ و تشاهدان ما يجري بإرادةٍ غير إرادتي.
كانت تقف بثباتٍ لا يتزحزح، وعن يمينها طفلةٌ بفستانٍ قصيرٍ يصل إلى ركبتيها، وشعرها الطويل ينسدل إلى أسفل ظهرها، تبدو في الرابعة من عمرها.
وعن يسارها صبيٌ في الثامنة تقريباً، يرتدي ثياباً باليةً قديمة ، وشعره أسود قصير. تحركت عيناي نحو الصبي ببطء.. وجهه كان ممسوحاً تماماً.
لا حواجب، لا عيون، لا أنف، ولا فم. سطحٌ أملسٌ لا معالم فيه!
التفتت عيناي نحو الطفلة، فوجدتُ وجهها خاوياً هي الأخرى، خالياً من أيّ أثرٍ لملامح بشرية! وما زلتُ واقفةً جامدةً في مكاني، لا أملكُ سوى ناظريّ تتحركان في دهشةٍ صامته.
سبحان الذي حمانا! أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق..
لم يقشعر جسدي، لم أرتجف، لم أصرخ. فقط وقفتُ.. ووقفوا هم كذلك.
صمتٌ يثقل الجبال، لا حركة ولا صوت.
ثم.. في لمح البصر، تبخر الطفلان في الهواء! لم يذهبا يميناً ولا شمالاً، لم يبتعدا خطوة..
بل تلاشيا كالدخان حتى لم يبقَ منهما أثر! التفتت عيناي نحو المرأة بسرعة..
فإذا بها قد انتقلت لتقف عند باب مزرعةٍ قديمةٍ مهجورةٍ قبل أن تختفي هي الأخرى في اللحظة نفسها، كأنها لم تكن موجودة قط!
بقيتُ واقفةً للحظاتٍ لا أعرف لها مذهولة ،
فدفعني الفضول لأتجه نحو باب المزرعة — وما زلتُ أتحرك بصعوبةٍ بالغة كأنما قدماي مغروزتان في الأرض.
اقتربتُ بخطواتٍ بطيئةٍ حذرة.
نظرتُ إلى الباب.. فوجدتُ عليه قفلاً حديدياً قديماً، صدئاً، مغلقاً بإحكام منذ زمنٍ طويل.
هنا أدركتُ يقيناً لا شك فيه..
أن ما رأيته لم يكن من عالمنا.
قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. فسبحان من حفظنا وثبتنا، فلم يمسسنا بسوء.
واصلنا طريقنا حتى وصلنا بيت أقاربي.
دخلتُ عليهم وأنا جسدٌ بلا روح، كأنما تركتُ جزءاً منّي هناك عند انحناءة الطريق.
شربتُ القهوة وأنا لا أذوق طعماً، وتحدثنا ولكن لم أستطع أن أخبرهم بما حدث ومارأيت ،وكان كلّي رغبةٌ في أن أقول لهم أعيدوني فوراً.. لكن لساني كان معقوداً، لا يطاوعني.
وحين هممتُ بالخروج للعودة..
هنا فقط بدأتُ أشعر بالخوف.
هنا فقط انبثق الرعب ببطءٍ في صدري حتى ملأني كله.
ثقلت قدماي كأنهما رصاصٌ مذاب، وكأنما الأرض قد سحبتني إلى أسفل.
ومع اقتراب أذان المغرب، تعالت من خلف امنزل أقارب أمي أصوات نباح مجموعةًمن الـكلابٍ، متواصلة، حادة، كأنها تنبح في شيءٍ لا تراه ولا تصل إليه.
لم يكن نباحاً عادياً.. كان صوتاً يرتجف منه الجسد.
قلتُ للطفلين بصوتٍ بالكاد خرج من حنجرتي: اركضا! وصرنا نركض..
لا نعرف إلى أين نركض. كنتُ أستحي أن يرانا أحد ونحن نركض بهذا الذعر، فماذا سيقولون عنا؟ لم نسلك الطريق نفسه الذي أتينا منه، بل أخذنا طريقاً آخر، جعلنا المزرعة القديمة التي اختفت عندها المرأة عن يميننا، كأننا نهرب من ظلٍ يلاحقنا.
كنا نركض وحفيف الهواء يلفح وجوهنا، ندخل مزرعةً ونخرج من أخرى، بين أشجارٍ متشابكةٍ كأنها أيدٍ ممدودةٌ تريد أن تمسك بنا.
كنتُ أدفع الأغصان بيدي وأنا أدفع الطفلين أمامي بكل قوتي. كانت الأرض تضيق بنا على سعتها، والظلام يبدأ ينسدل بسرعةٍ مخيفة، والخوف يشتدّ بي كلما خطونا خطوة.
عبرنا ممراتٍ ضيقةٍ لا يكاد يمرّ أحدٌ فيها، ونحن نلتفت خلفنا مراراً بذعرٍ، خشية أن نرى ما لا نريد أن نراه مرة أخرى.
حتى إذا ما وصلنا أخيراً إلى الطريق العام..
هناك فقط عاد الهواء يدخل إلى صدري، وعادت الحياة لتعود إليّ شيئاً فشيئاً مع حركة السيارات والناس.
لم يكن ذلك الموقف حلماً، ولا أضغاث خيال.. بل كان واقعاً حياً عشته مع طفليّ، وتجربةً انحفرت في الذاكرة لتغدو جزءاً لا يُنسى من حياتي.
إن عالم الجن حقيقةٌ أثبتها القرآن الكريم، خلقهم الله سبحانه وتعالى من مارجٍ من نار، وجعل بينهم وبين بني آدم حجاباً لا يُرفع إلا لحكمةٍ أو بمشيئةٍ منه جل وعلا.
وفي مثل هذه المواقف الحابسة للأنفاس، تنجلي لعقولنا معاني الحفظ الإلهي والتحصين بالذكر، فندرك أن القوة والملجأ لله وحده، وأن الذكر والتوكل هما السلاح والأمان من كل ما يتوارى في ظلمات هذا العالم.
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي
أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ )فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
للتواصل:h6060h500@gmail. com



