الصدامات حين تكشف لنا الوجوه الحقيقية

✍️ سمسمه السعيد – كاتبة رأي :
الصدامات جزء لا مفر منه من حياتنا فهي تحدث في العمل وفي العلاقات الاجتماعية وبين الأصدقاء وحتى داخل الأسرة وقد تبدأ من موقف بسيط أو كلمة عابرة أو اختلاف في وجهات النظر ثم تتطور عندما تتراكم المشاعر وسوء الفهم ويصبح كل طرف أسيرا لتفسيره الخاص لما حدث لكن الصدام في حد ذاته ليس المشكلة دائما وإنما المشكلة في الطريقة التي نتعامل بها معه وفي قدرتنا على إدارة الخلاف دون أن يتحول إلى خصومة أو جرح أو قطيعة٠
في كثير من الأحيان تكشف لنا الصدامات ما لم تستطع السنوات أن تكشفه فقد نعيش مع بعض الأشخاص فترة طويلة ونعتقد أننا نعرفهم جيدا ثم يأتي موقف واحد ليغير الصورة كاملة لأن لحظات الاختلاف تضع الإنسان أمام اختبار حقيقي وتكشف مدى قدرته على احترام الآخرين عندما لا يتفق معهم وتكشف أيضا مقدار ما يمتلكه من حكمة واتزان وقدرة على التحكم في انفعالاته فهناك أشخاص يحافظون على أخلاقهم حتى في أقسى لحظات الخلاف وهناك من تتحول لديهم المواجهة إلى فرصة للإساءة والتقليل من الآخرين وكأن الاختلاف يمنحهم الحق في تجاوز كل الحدود٠
والصدامات الأكثر ألما هي تلك التي تأتي من أشخاص منحناهم ثقتنا واعتقدنا أنهم يعرفون قيمتنا ويقدرون مشاعرنا لأن الصدمة في هذه الحالة لا تكون بسبب الموقف وحده بل بسبب سقوط توقعات كبيرة بنيناها على علاقة أو صداقة أو معرفة طويلة وقد نكتشف بعد الصدام أن بعض الأشخاص كانوا قريبين منا بحكم الظروف وليس بالضرورة بحكم المواقف وأن القرب الحقيقي لا يظهر في أوقات الراحة وإنما يظهر عندما تتغير الظروف وتصبح المواقف أكثر وضوحا٠
ومع ذلك فإن الصدامات ليست كلها سلبية فقد تكون في بعض الأحيان فرصة لإعادة ترتيب العلاقات ووضع الحدود الصحيحة وتصحيح المفاهيم الخاطئة فهناك خلافات كان لا بد منها حتى يعرف كل طرف مساحة الآخر وهناك مواقف مؤلمة لكنها كانت ضرورية حتى نكتشف حقيقة علاقة لم تكن تسير في الاتجاه الصحيح وهناك صدامات تجعل الإنسان أكثر وعيا في اختيار كلماته وأكثر حرصا في منح ثقته وأكثر قدرة على معرفة من يستحق القرب ومن يستحق أن تبقى العلاقة معه في حدود معينة٠
المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن كل صدام يحتاج إلى انتصار وأن كل اختلاف يجب أن ينتهي بإثبات أن أحدنا على حق والآخر على خطأ فالحياة ليست ساحة مستمرة لإثبات الذات وبعض المواقف لا تحتاج إلى رد وبعض الكلمات لا تستحق أن نحملها معنا طويلا وبعض الأشخاص لا يمكن إقناعهم مهما قدمنا من تبريرات ولذلك يكون الهدوء أحيانا أقوى من الرد ويكون الانسحاب من الجدال أكثر نضجا من الاستمرار فيه وتكون المحافظة على الكرامة أهم من تحقيق انتصار مؤقت في نقاش لن يغير شيئا
والإنسان الناضج لا يسمح للصدام بأن يغير جوهره فإذا تعرض للإساءة لا يصبح مسيئا وإذا واجه الجحود لا يتحول إلى شخص جاحد وإذا خذلته علاقة لا يفقد ثقته بالحياة كلها لأن التجربة السيئة لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة نحكم بها على الجميع فليس كل الناس متشابهين وليس كل العلاقات قابلة للانهيار وليس كل اختلاف مقدمة للنهاية٠
إن الصدامات الحقيقية لا تكشف الآخرين فقط بل تكشفنا نحن أيضا فهي تخبرنا عن مقدار صبرنا وعن طريقة تفكيرنا وعن قدرتنا على الاعتذار وعن مدى استعدادنا للاستماع وعن قدرتنا على الاعتراف بالخطأ وربما يكون أعظم ما نتعلمه من الصدام أن الإنسان لا يحتاج دائما إلى أن ينتصر في الموقف بقدر ما يحتاج إلى أن يخرج منه دون أن يخسر نفسه٠
وفي نهاية كل صدام هناك درس يبقى معنا فبعض الصدامات تعلمنا الحذر وبعضها يعلمنا التسامح وبعضها يعلمنا وضع الحدود وبعضها يمنحنا الشجاعة لإنهاء علاقة لم تعد تمنحنا سوى الألم وبعضها يعيد إلينا أشخاصا كنا نظن أننا فقدناهم بعدما اكتشف كل طرف قيمة الآخر٠
لهذا فإن الصدامات رغم قسوتها قد تكون جزءا من نضجنا الإنساني لأنها تجعلنا نرى الأشياء كما هي لا كما كنا نتمنى أن تكون وتمنحنا القدرة على التمييز بين العلاقات الحقيقية والعلاقات التي كانت قائمة على المجاملة أو المصلحة أو الاعتياد٠
وفي النهاية لا تقاس قوة الإنسان بعدد الصدامات التي خاضها ولا بعدد الأشخاص الذين استطاع أن يهزمهم وإنما تقاس بقدرته على تجاوز الخلافات بوعي وبقدرته على حماية كرامته دون ظلم الآخرين وبقدرته على أن يخرج من كل تجربة أكثر حكمة وأهدأ قلبا وأكثر وضوحا في اختيار من يستحق أن يبقى قريبا منه٠
فالصدامات قد تكون مؤلمة لكنها في كثير من الأحيان تكون المرآة التي تكشف لنا الوجوه الحقيقية وتعيد إلينا القدرة على رؤية الحياة بعيون أكثر نضجا ووعيا .
للتواصل :[email protected]



