كتاب الرأي

حين تهدأ الروح رغم ضجيج الحياة

     ✍️طاهرة الشامسي – كاتبة رأي :

في هذه الحياة، لا يكاد يمر يوم دون أن يحمل معه شيئًا من الضجيج، ضجيج الأخبار، وضجيج المسؤوليات، وضجيج الناس، وضجيج التفكير الذي لا يهدأ، حتى نصل أحيانًا إلى لحظة نتمنى فيها لو نستطيع أن نغلق كل الأبواب، ونبتعد قليلًا عن العالم، ونمنح أرواحنا فرصة واحدة لتتنفس.

لكن الهدوء الحقيقي لا يعني أن تختفي الأصوات من حولنا، ولا أن تخلو الحياة من المشكلات، ولا أن يصبح الطريق خاليًا من العقبات. الهدوء الحقيقي هو أن يكون في داخلك مكان لا يصل إليه ضجيج العالم.

أن تظل مطمئنًا رغم أن أشياء كثيرة من حولك لا تسير كما تريد. أن تبتسم رغم أنك تحمل في قلبك ما لا يعرفه أحد. أن تقول: (سيكون كل شيء بخير)، لا لأنك تملك ضمانات، ولكن لأنك تملك يقينًا بأن الله لا يترك قلبًا لجأ إليه.

هناك مرحلة يصل إليها الإنسان بعد الكثير من التعب، فيدرك أن السلام لا يأتي عندما تصبح الحياة كاملة، وإنما عندما يتعلم هو كيف يتعامل مع نقصها. يتوقف عن محاولة السيطرة على كل شيء. يتوقف عن تفسير كل كلمة. يتوقف عن ملاحقة من ابتعد. يتوقف عن انتظار التقدير من الآخرين. ويبدأ في الاهتمام بما يستطيع أن يغيره: نفسه، قلبه، نظرته للحياة، وطريقة تعامله مع الأيام. حينها تبدأ الروح بالهدوء.

فالإنسان يتعب عندما يريد أن يكون كل شيء كما يتمنى، وأن يكون الجميع كما يحب، وأن تسير الأيام وفق خططه. لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق ما نريد، وربما كانت أجمل حكمتها أنها تعلمنا أن نترك بعض الأمور لله. ليس كل شيء يحتاج إلى حل فوري. وليس كل سؤال يحتاج إلى إجابة. وليس كل موقف يستحق أن يشغل قلبك. بعض الأمور يكفي أن تقول عنها: (سأتركها لله).

وما أجمل أن تصل إلى هذه المرحلة، أن تضع ما يعجز قلبك عن حمله بين يدي الله، ثم تنام مطمئنًا. قد لا يتغير الواقع في تلك اللحظة، لكن شيئًا في داخلك يتغير. يخف الحمل. تهدأ الأفكار. ويصبح القلب أكثر قدرة على الاستمرار. حين تهدأ الروح، لا يعني ذلك أنها لم تتألم. بل ربما كانت قد تألمت كثيرًا، حتى تعلمت أن الألم لا يستحق أن يأخذ منها بقية عمرها.

فالقلوب التي مرت بالكثير تصبح أكثر حكمة. تعرف أن بعض الأشخاص لا يستحقون كل هذا العتاب. وأن بعض العلاقات لا تستحق كل هذا الانتظار. وأن بعض الأبواب حين تُغلق، يكون إغلاقها حماية لا خسارة. وأن الرحيل أحيانًا يكون بداية جديدة، وإن بدا في لحظته الأولى كأنه نهاية العالم.
حين تهدأ الروح، تتغير نظرتك للأشياء. لا تعود تبحث عن الكمال، بل عن الطمأنينة. لا تعود تسأل: كيف أجعل الجميع يحبونني؟
بل تسأل: كيف أحافظ على قلبي؟

لا تعود تهتم بأن تثبت نفسك للجميع. يكفيك أن تعرف حقيقتك. فليس من الضروري أن يفهمك الجميع، ولا أن يصدقك الجميع، ولا أن يوافقك الجميع. يكفي أن تكون صادقًا مع نفسك، مستقيمًا في نيتك، واضحًا في طريقك. هناك راحة عظيمة في أن تتوقف عن شرح نفسك لمن قرر ألا يفهمك. وفي أن تتوقف عن الدفاع عن قلبك أمام من لا يريد أن يرى إلا ما يوافق ظنه. وفي أن تترك لكل إنسان حكمه، ثم تمضي.

قد يكون السلام في صباح هادئ. في دعاء أم. في ابتسامة طفل. في جلسة مع شخص تحبه. في كلمة طيبة. في بيت تسكنه المودة. وفي قلب لا يحمل الحقد على أحد.

حين تهدأ الروح، تتعلم أن لا تحمل أكثر مما تستطيع. ليس عليك أن تصلح كل شيء. ليس عليك أن تنقذ الجميع. ليس عليك أن تكون قويًا طوال الوقت. من حقك أن تتعب. من حقك أن تستريح. من حقك أن تقول: (أحتاج إلى وقت). ومن حقك أن تبتعد قليلًا حتى تستعيد توازنك. فالاستراحة ليست هروبًا من الحياة، وإنما استعداد للعودة إليها بقلب أكثر قدرة.

وحين تهدأ الروح، يصبح الإنسان أكثر قدرة على التسامح. قد تغفر، لكنك تتعلم. قد تنهي العلاقة، لكنك لا تحمل الكراهية. وهذا من أجمل أشكال النضج. أن تترك الباب مغلقًا دون أن تقف خلفه كل يوم. عش اليوم كما هو. افعل ما تستطيع. واترك ما لا تستطيع لله.

وفي النهاية،،،
ربما لا نستطيع أن نمنع ضجيج الحياة، ولا أن نتحكم في كل ما يحدث حولنا، لكننا نستطيع أن نبني داخلنا مساحة هادئة. مساحة لا يدخلها إلا ما يستحق. نضع فيها إيماننا، وأحلامنا، وذكرياتنا الجميلة، ومن نحبهم بصدق، ونترك خارجها كل ما يرهق القلب.

وحين تصل روحك إلى هذه الطمأنينة، ستكتشف أن أجمل مكان يمكن أن تسكنه ليس بيتًا ولا مدينة، بل قلبك حين يصبح هادئًا، مطمئنًا، راضيًا بما كتب الله له.

حينها فقط، ستستطيع أن تقول وسط كل هذا الضجيج:
أنا بخير، لأن في داخلي سلامًا لا يستطيع العالم أن ينتزعه مني.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى