حين تعود المدرسة بروح المنظومة الواحدة:

✍️ د. علي عالي السعدوني – كاتب رأي :
ليست العودة إلى المدرسة حدثًا يخص وزارة التعليم وحدها، ولا موعدًا سنويًا ينتهي عند بوابة المدرسة مع انتظام الطلاب والطالبات في مقاعدهم بل هي حركة اجتماعية واسعة تستيقظ معها الأسرة، وتتغير معها إيقاعات الطرق والمطارات والمرافق العامة، وتتحرك من أجلها قطاعات عديدة تتقاطع مسؤولياتها عند غاية واحدة هي أن يبدأ الطالب عامه الدراسي في بيئة تشعره بأن المجتمع كله يرافق خطواته الأولى نحو فصله، وأن التعليم لم يعد قطاعا إداريا منعزلا عن بقية مؤسسات الدولة، وإنما جزء من منظومة وطنية تتبادل الأدوار وتتكامل فيها الرسائل والخدمات.
وفي هذا تبدو حملة العودة إلى الدراسة في شاشات مطار الملك فهد الدولي أكثر من مجرد إعلان موسمي يمر أمام المسافر بين بوابات الوصول والمغادرة، فحين تدخل المدرسة إلى فضاء المطار، وتظهر رسائلها في مكان يرتبط في الذاكرة بالسفر والرحلات والعودة إلى المدن، فإنها تربط بصورة ذكية بين عودة المسافر إلى مدينته وعودة الطالب إلى مدرسته، وتجعل المناسبة التعليمية حاضرة في المجال العام لا محصورة داخل أسوار المدارس، وكأن المطار وهو يستقبل العائدين من إجازاتهم يقول لهم بطريقة غير مباشرة إن الوطن يستقبل في الوقت نفسه موسمًا آخر من العمل والمعرفة والبناء.
والصورة ذاتها تتجلى في إعلانات فرع وزارة الصحة بالمنطقة الشرقية المتعلقة بالعودة إلى الدراسة بالتعاون مع إدارة التعليم بالمنطقة الشرقية، فالصحة في هذالا تقف بعيدًا عن المدرسة باعتبارها جهة علاجية لا تبدأ مهمتها إلا عند المرض، وإنما تدخل إلى المشهد التعليمي من بوابة الوقاية والتوعية وبناء السلوك الصحي؛ لأن الطالب الذي نريد له أن يتعلم جيدًا يحتاج إلى جسد سليم، ونوم منتظم، وغذاء متوازن، وعادات صحية راسخة، ووعي يحميه ويحمي زملاءه، ولذلك يصبح حضور القطاع الصحي في موسم العودة إلى الدراسة تعبيرًا عن فهم أوسع لمعنى التعليم نفسه، فبناء الإنسان لا يمكن تقسيمه بين مؤسسة تعتني بعقله وأخرى تعتني بجسده وكأن كل جانب منه يعيش منفصلًا عن الآخر.
والجميل في هذه المشاهد أنها تكشف عن ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الشراكة بدل العزلة، فالمطار يستطيع أن يحمل رسالة التعليم، والصحة تستطيع أن تعزز استعداد الطالب للمدرسة، والتعليم يستطيع أن يفتح مساحاته أمام الخبرات الصحية والتوعوية، وكل جهة تمنح الأخرى شيئًا من أدواتها وانتشارها وخبرتها حتى تتحول المناسبة من حملة تخص إدارة بعينها إلى حالة مجتمعية تتشارك في صناعتها المؤسسات، وهذه في تقديري إحدى الصور المهمة للعمل الحكومي الحديث حين لا تنشغل كل جهة بإظهار اسمها بقدر انشغالها بتحقيق الغاية التي اجتمعت المؤسسات من أجلها.
نحن بحاجة إلى أن نرى مثل هذه الشراكات تتسع أكثر فلا تكون العودة إلى الدراسة شأنًا تعليميًا فقط بل تشارك فيها الصحة برسائلها الوقائية، والمطارات والنقل بتسهيل الحركة ونشر الرسائل، والقطاع البلدي بتهيئة المحيط المدرسي، والثقافة بإعادة الكتاب إلى واجهة الاهتمام، والرياضة بتعزيز النشاط والحيوية، والقطاع الخاص بمبادرات اجتماعية ذات أثر حقيقي؛ لأن الطالب في نهاية الأمر لا يعيش داخل المدرسة طوال يومه، وإنما يتحرك داخل مدينة كاملة، ويتأثر بأسرة وإعلام وطريق ومرفق صحي ومجال ثقافي وفضاء رقمي، وكلما اقتربت هذه الدوائر من بعضها أصبح أثرها في تكوينه أكثر عمقًا واتزانًا.
إن ما نشاهده في شاشات مطار الملك فهد الدولي، وما يقدمه فرع وزارة الصحة بالمنطقة الشرقية بالتعاون مع إدارة التعليم في مناسبة العودة إلى الدراسة قد يبدو في ظاهره مجموعة من الإعلانات والرسائل التوعوية لكنه في جوهره يقدم معنى أكبر من الإعلان نفسه، وهو أن المؤسسات حين تتجاوز حدودها التقليدية وتبحث عن المساحة المشتركة بينها، فإنها تنتقل من تنفيذ المهام إلى صناعة الأثر، ومن العمل المتجاور الذي تسير فيه كل جهة بمفردها إلى العمل المتكامل الذي تتقدم فيه الجهات نحو هدف واحد.
فالمنظومة الناجحة ليست التي تعمل مؤسساتها بكفاءة منفردة فحسب، وإنما التي تعرف كل مؤسسة فيها متى تمد يدها إلى المؤسسة الأخرى، ومتى تضع إمكاناتها في خدمة هدف يتجاوز حدود اختصاصها المباشر، ومتى تتحول أسماء الجهات المختلفة إلى صوت وطني واحد، وحين تصبح عودة طالب إلى مقعده الدراسي قضية يرحب بها المطار، وتساندها الصحة، ويقودها التعليم، ويحتفي بها المجتمع، فإننا أمام صورة جميلة لمعنى الدولة التي تعمل بروح المنظومة الواحدة حيث تختلف الأدوار، وتتعدد الشعارات، وتتوزع المسؤوليات، لكن الإنسان يظل في النهاية هو نقطة الالتقاء، وهو الغاية التي تبدأ منها كل هذه الجهود وتنتهي إليها.



