حين نعتزل الناس… لنلتقي بأنفسنا

✍️أ-محمد علي كريري- كاتب رأي :
في زحام الحياة، وكثرة الأصوات من حولنا، قد يأتي وقت يشعر فيه الإنسان بأنه بحاجة إلى أن يبتعد قليلًا عن الجميع، لا كرهًا في الناس، ولا هروبًا من الحياة، وإنما بحثًا عن لحظة هدوء يستعيد فيها نفسه، ويرتب أفكاره، ويستمع إلى ذلك الصوت الداخلي الذي غاب وسط ضجيج الأيام.
الاعتزال عن الناس أحيانًا ليس عزلة، بل راحة.
فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الآخرين، ويحتاج إلى العلاقات والمودة والصحبة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى مساحة خاصة تكون له وحده؛ يجلس فيها مع نفسه بعيدًا عن الأسئلة، والمجاملات، والضغوط، وتوقعات الآخرين.
هناك أوقات لا نحتاج فيها إلى الحديث، بل إلى الصمت. لا نحتاج إلى كثرة الأصدقاء، بل إلى جلسة هادئة مع أنفسنا. نحتاج أن نغلق أبواب الضجيج من حولنا، ونفتح نافذة داخل أرواحنا، لنسأل أنفسنا: ماذا نريد؟ ماذا أتعبنا؟ ماذا تعلمنا؟ وإلى أين نمضي؟
وقد يختار الإنسان الابتعاد لأنه مرّ بتجارب جعلته أكثر حذرًا، أو لأنه اكتشف أن كثرة الاختلاط ليست دائمًا دليلًا على السعادة. فليس كل من حولنا يفهم ما نشعر به، وليس كل من نحادثهم قادرين على قراءة ما تخفيه قلوبنا.
وأحيانًا يكون الابتعاد وسيلة لحماية النفس من الاستنزاف؛ فهناك أشخاص يستنزفون طاقتنا، وأحاديث تثقل أرواحنا، ومواقف تجعلنا بحاجة إلى أن نبتعد قليلًا حتى نستعيد توازننا.
لكن الأجمل في الاعتزال أن يكون اعتزالًا واعيًا لا قطيعة دائمة. أن نبتعد لنرتاح، لا لنحقد. أن نصمت لنفهم، لا لنعاقب. أن نمنح أنفسنا وقتًا، ثم نعود إلى الحياة بقلب أكثر هدوءًا ونفس أكثر صفاءً.
فالإنسان الذي يعرف كيف يجلس مع نفسه دون أن يشعر بالملل أو الخوف، قد اكتشف شيئًا مهمًا جدًا: أن راحته لا يجب أن تكون دائمًا مرتبطة بوجود الآخرين.
وفي العزلة الهادئة قد نكتشف أشياء كثيرة؛ نكتشف أخطاءنا، ونراجع قراراتنا، ونقدّر الأشخاص الحقيقيين في حياتنا، ونعرف الفرق بين من يحب وجودنا ومن يحبنا نحن.
لذلك، لا تحكموا على من يبتعد أحيانًا بأنه متكبر أو متغير أو لا يحب الناس. ربما يكون في داخله الكثير من الكلام، لكنه اختار الصمت. وربما يكون بحاجة إلى أن يرمم شيئًا في داخله لا يستطيع شرحه لأحد.
ليس كل ابتعاد جفاء، وليس كل صمت حزنًا، وليس كل عزلة ضعفًا.
أحيانًا يكون الابتعاد أقصر طريق إلى السلام الداخلي.
فامنح نفسك بين حين وآخر فرصة للهدوء، واجلس مع نفسك، بعيدًا عن الضجيج. تأمل حياتك، راجع خطواتك، اقرأ، اكتب، ادعُ الله، واستمع إلى قلبك.
ثم عد إلى الناس عندما تشعر أنك مستعد.
فالحياة ليست أن نبقى مع الآخرين طوال الوقت، كما أنها ليست أن نهرب منهم طوال الوقت؛ الحياة توازن جميل بين أن نكون بين الناس، وأن نعرف متى نحتاج إلى أن نكون مع أنفسنا.
وفي النهاية، قد تكون أجمل علاقة يمكن للإنسان أن يبنيها في حياته هي علاقته بنفسه؛ فإذا تصالح معها، واحتواها، وفهم احتياجاتها، أصبح أكثر قدرة على فهم الآخرين ومحبتهم دون أن يفقد نفسه بينهم.
أحيانًا… نعتزل الناس، ليس لأننا لا نحبهم، بل لأننا نحتاج أن نحب أنفسنا ونستعيدها من جديد.
للتواصل : [email protected]



