حين تكذب الأشياء بصدق في بلاغة الإعلان:

✍️ د.علي عالي السعدوني – كاتب رأي :
تخيّل إعلانًا للقهوة لا تظهر فيه القهوة إلا في الثانية الأخيرة، نافذة ينسلّ منها ضوء الصباح، يدٌ تزيح ستارة، صحيفة تُفتح، صوت المطر بعيدًا، بخار يتصاعد ببطء ثم يظهر الفنجان، ماذا باعك الإعلان في هذا؟ لم يبعك البن، ولم يحدثك عن درجة التحميص، ولم يقدم لك محاضرة في جودة الحبوب لقد باعك صباحًا، ثم دسَّ القهوة داخله حتى إذا اشتريت العبوة بعد أيام ظننت أنك تشتري مشروبًا بينما أنت في منطقة خفية من الذاكرة تشتري ذلك الصباح الذي رأيته.
هذه بلاغة الإعلان كما أحب أن أقرأها بلاغة لا تقول الشيء، وإنما تبني حوله حياةً تجعلك تتمناه.
خذ إعلانًا لسيارة فاخرة طريق جبلي فارغ، مدينة بعيدة تحت الأضواء، رجل أنيق يغلق باب السيارة، لا ازدحام، لا إشارة مرور، لا محطة وقود، لا أقساط شهرية، لا ورشة صيانة مع أن هذه كلها من حياة السيارة الحقيقية لقد حذف الإعلان الواقع واحتفظ بالحلم؛ لأنه يعرف أن السلعة حين تدخل الإعلان لا تدخل كما هي بل تدخل بعد أن تُغسل من يومياتها، السيارة التي ستقف بك غدًا في ازدحام الصباح تظهر لك الليلة وهي تشق طريقًا خاليًا كأن العالم كله أُغلق كي تمر أنت.
إنها بلاغة الحذف لكن الحذف في هذاليس حذف كلمة بل حذف الحياة التي قد تفسد الإغراء.
وانظر إلى إعلان عطر امرأة تمضي في مكان مترف تتبعها النظرات قبل أن يُعرف سر حضورها، أو رجل يسير في مدينة ليلية، عيون تلتفت، موسيقى تتصاعد، زجاجة تظهر في النهاية، ولا أحد يخبرك كيف تفوح الرائحة، فالشاشة أصلًا عاجزة عن نقل الرائحة، وهذه مفارقة مذهلة: كيف يبيع الإعلان للعين شيئًا وظيفته الأنف؟ في هذا تبدأ عبقريته إنه يعوّض الحاسة المفقودة بحكاية، فلا تستطيع أن تشم العطر لكنه يجعلك تشم الهيبة والفتنة والغموض بخيالك، وكأن الصورة استعارت للعين أنفًا.
وفي إعلان ساعة ثمينة قد لا يخبرك أحد بأن الساعة تشير إلى السابعة وخمس وثلاثين دقيقة؛ لأن هاتفًا رخيصًا يستطيع إخبارك بذلك، ولو كان الزمن هو القضية لانتهت صناعة الساعات الفاخرة منذ ظهور الهاتف لكن الإعلان لا يبيعك الوقت إنه يبيعك مكانتك داخل الوقت، معصم أنيق، بدلة محسوبة التفاصيل، مكتب مرتفع، مدينة تُرى من الزجاج ثم الساعة كأنها تقول دون أن تقول: بعض الناس يعرفون الوقت، وبعضهم يملكونه.
هذه ليست استعارة لغوية فحسب إنها استعارة اجتماعية انتقلت فيها الساعة من قياس الزمن إلى قياس المكانة.
وخذ إعلانًا لمياه معدنية ماء شفاف يُسكب أمام جبل مكسو بالثلج، جدول يجري، قطرة تهبط ببطء، خضرة، صخور، سماء شديدة الصفاء ثم الزجاجة مع أنك قد تشتريها بعد ساعة من متجر مزدحم بجوار محطة وقود، فما علاقة ذلك الجبل بهذه الزجاجة التي أمسكت بها من ثلاجة؟ العلاقة بلاغية قبل أن تكون جغرافية لقد استعارت العبوة الجبل لنفسها، واستعارت الثلج، والنبع، والصفاء حتى أصبح شرب الماء اقترابًا رمزيًا من الطبيعة.
والأعجب إعلان هاتف جديد لن يقول لك غالبًا: جهازنا يسمح لك بالاتصال؛ لأن هذه وظيفة تجاوزها الإقناع الإعلاني منذ زمن سيعرض شابًا يصنع فيلمًا، وفتاة تصوّر رحلة، وأصدقاء يضحكون، ومدينةً ليلية تلمع في العدسة ثم يُلقى الهاتف بين هذه الصور كما لو أنه ليس جهازًا، وإنما مفتاح لحياة أكثر امتلاءً، وهكذا تتحول التقنية إلى سردية، والمواصفة إلى أمنية، والمنتج إلى وعد.
حتى مطاعم الوجبات السريعة تعرف البلاغة أكثر مما نظن قطعة اللحم في الإعلان لا تجلس داخل الشطيرة كما تجلس في يدك الخس أكثر اخضرارًا، الجبن ينساب في اللحظة المثالية، البخار يصعد في الاتجاه المناسب، الصلصة تتوقف عند الحافة كأن لها حسًا جماليًا ثم تصل إليك الوجبة في صندوقها فلا تجد ذلك المشهد؛ لأنك كنت أمام بلاغة المبالغة، لكنها لم تقل: هذه أجمل شطيرة في الكون، وإنما جعلت الصورة تقول ذلك نيابة عنها.
أما متاجر التخفيضات فتستخدم بلاغة أخرى رقم قديم يُشطب، ورقم جديد يكبر عبارة لفترة محدودة، عدّاد يتناقص، كمية توشك على النفاد، المسألة لم تعد وصف المنتج بل صناعة خصم جديد يدخل إلى الحكاية اسمه الزمن، فالقرار الذي كان يمكن أن تؤجله إلى الغد يصبح قرارًا يجب اتخاذه الآن، وفي هذا لا يقنعك الإعلان بقيمة الشيء بقدر ما يخيفك من ضياع الفرصة.
إنها بلاغة الاستعجال: لا تجعل السلعة أكثر جمالًا، بل تجعل الغد أكثر خطورة.
ويمكن أن نتأمل إعلانًا لجامعة أو مدرسة طفل يرتدي حقيبته، مختبر حديث، طالب يناقش معلمه، خريج يقذف قبعة التخرج في الهواء ثم شعار المؤسسة، المسافة بين الطفل والخريج قد تكون عشرين عامًا لكن الإعلان يضغطها في ثلاثين ثانية لقد مارس الزمن في هذا نوعًا من المجاز اختصر رحلة طويلة في صور متتابعة ثم جعل المؤسسة جسرًا بين البداية والنهاية حتى يصبح التسجيل الدراسي في المخيلة تسجيلًا في المستقبل نفسه.
لهذا أرى أن كتب البلاغة الجديدة ينبغي ألا تبدأ دائمًا بـقال الشاعر على جلالة الشعر ومكانته بل يمكن أن تقول أحيانًا: قال الإعلان.
قال الإعلان بالصورة.
وقال باللون.
وقال بالموسيقى.
وقال بحركة الكاميرا.
وقال بما أخفاه أكثر مما قال بما أظهره.
فإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد علّمنا أن المزية ليست في الكلمات منفردة، وإنما في العلاقات التي تنتظم بينها، فإن عالم الإعلان يدعونا إلى توسيع السؤال: ماذا لو أصبحت العلاقة بين كلمة وصورة؟ وبين صورة وموسيقى؟، وبين لون وذاكرة؟ وبين منتج وخوف؟ وبين شعار ورغبة اجتماعية؟
عندئذ نكون أمام نظم جديد لا تنتظم فيه الألفاظ وحدها بل تنتظم الحواس.
الإعلان في جوهره لا يقول لك: اشترِ؛ لأن الإعلان الذي يصرخ في وجهك بهذه الكلمة إعلان فقير الخيال، الإعلان البارع يرتب المسرح كله، يضيء المكان، يختار الموسيقى، يستدعي طفولتك أو خوفك أو طموحك أو رغبتك في التميز، يضع السلعة في منتصف هذا العالم ثم ينسحب بهدوء حتى تكون أنت الذي يقول لنفسه: أريدها.
وهذه أخطر درجات الإقناع أن تختفي يد المقنع، ويشعر المتلقي أن الرغبة وُلدت فيه وحده.
لهذا لا أسمي الإعلان كلامًا تجاريًا بل أراه بلاغةً تمشي في الأسواق متنكرةً في هيئة سلعة، فالبلاغة القديمة كانت تجعلنا نتساءل: كيف استطاع الشاعر أن يجعلنا نرى المعنى؟ أما بلاغة الإعلان فتضيف سؤالًا أشد إثارة:
كيف استطاع المعلن أن يجعلنا نشتري المعنى؟
فالعطر لا يبيع الرائحة وحدها، والسيارة لا تبيع الطريق، والساعة لا تبيع الزمن، والقهوة لا تبيع البن، والهاتف لا يبيع الاتصال، والماء لا يبيع إطفاء العطش كل واحد منها يحاول أن يبيع شيئًا لا يوجد داخل العلبة أصلًا:
صورةً صغيرة للإنسان الذي نريد أن نكونه.
وفي هذا تبدأ بلاغة الإعلان الحقيقية عندما تنتهي السلعة، ويبدأ الإنسان.



