كتاب الرأي

هل أنقذتنا السرعة بالقراءة أم سرقتنا منها؟

        ✍️ عنبر المطيري – كاتبة رأي :

ومع امتداد هذه الأيام المتسارعة ألاحظ هفواتٍ وسقطاتٍ وتراجعاً مؤلماً كان ضحيتها فكر الإنسان ، وعقل الإنسان ، ولسان الإنسان …

فهل لسرعة القراءة فائدة عميقة أم أنها أولى مراحل الاغتراب الفكري والنفسي للإنسان؟

اليوم ونحن في حقبة تتسابق فيها الأزمنة وتتسارع عقارب الساعة كأنها اتفقت مع عالمٍ لا يمنحنا فرصة كافية للتأمل ، فيتلاشى عمق الطرح وكأن الحضارة المعاصرة تعيد هيكلة الإنسان في قالب تشكله الزوايا الهندسية لمتطلباتها، بينما تتراجع حقيقته الفكرية. يُقبل المرء على المقال أو الكتاب أو أي موضوع يصب في اهتماماته لكن العجلة التي فرضتها المدنيّة الحديثة تجعله يحترق خاطفاً للكلمات دون أن يستوعب جوهرها.

فبينما يغدو الهاتف المحمول “مكتبة جديدة” تجيء المشتتات المرافقة له لِتحرم التأملَ من الإقامة طويلاً في عقل القارئ _وهنا _ طامة ليست بالقليلة .

ومن ناحية أخرى تبرز سياسة “اقتصاد الاختصار” المتمثلة في ثقافة العناوين المثيرة والمقاطع القصيرة لِتُلقي بظلالها على قدرتنا في متابعة المقال الطويل، والرواية ، والقصيدة ، والفكرة المركبة إذ لم نعد نحتمل التركيز ، والوقوف طويلاً أمام موضوع يتطلب وقتاً للتفكيك والتحليل ، وهو ما يعود على الكاتب والقارئ والمفكر على حدٍّ سواء بما لا يُحمد عقباه.

وتكمن أولى الأسباب في هندسة المنصات الحديثة التي بُنيت على جذب الانتباه المتواصل إذ اعتاد فيها الدماغ على جرعات سريعة ومتلاحقة من “الدوبامين” مع كل تمرير للشاشة ، مما جعل الصبر على نص طويل يتطلب مجهوداً ذهنياً شاقاً يأنف منه العقل المعتاد على الاستسهال .
يُضاف إلى ذلك وهم تحصيل المعرفة بالتركيز على الكم على حساب الكيف إذ جعلتنا العجلة نهتم بعدد السطور المقروءة لا بمقدار الاستيعاب والفهم . وهذه كارثة أخرى تستوجب منا الانتباه والتنبيه لمن حولنا من قُرّاء وطُلاب وأجيال قادمة . ومع ضغوط الحياة والطغيان المادي الذي امتلأت به الحضارة المعاصرة ، تحوّل الزمن إلى سلعة ثقيلة ، وأصبح “التأمل” في نظر البعض مضيعة للوقت، بينما هو في الحقيقة علاجٌ روحي يُعيد للإنسان توازنه.
وللخروج من هذه الأزمة ؛ نحتاج إلى تعويد ذواتنا على “بطء القراءة”، وذلك بتخصيص وقت يومي يُعزل فيه القارئ عن العالم الرقمي ليتفرغ لنص ورقي متكامل؛ لنعيد للعقل هيبته وللروح سكينتها. ومع القراءة التأملية، يُستحسن ممارسة “القراءة بالقلم”، بتدوين الأفكار الهامة، ووضع خطوط تحت العبارات الملفتة ، والتوقف عند الجمل المفصلية والتمهل لتفكيكها.
إن المقاطع والعناوين ما هي إلا “وجبات سريعة للالتهام العقلي والبصري” تورث الذهن خمولاً وضعفاً؛ لذا لا بد من التدرج في تدريب عضلة التركيز عبر الانتقال المخطط له من المقالات القصيرة إلى المقالات المطولة، ثم الروايات والدراسات المركبة.

وفي النهاية، يظل السؤال قائماً لا يقل أهمية عما مضى: هل نستطيع الخروج من مضمار هذه العجلة، أم أن سحر السرعة سيمضي بنا إلى أن ننسى كيف نفكر؟

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى