كتاب الرأي

«التسويف» لصوصية الوقت (حين يصبح الغد لصًا يسرق من اليوم راحته وإنجازه)

    ✍️ أروى مسلط العتيبي – كاتبة رأي :

ليس التسويف مجرد سوء في إدارة الوقت ولا كسلًا عابرًا يمكن علاجه باستراحة قصيرة
في جوهره هو صراع خفي داخل الإنسان بين ذات تريد أن تمضي وذات أخرى تبحث عن مخرج آمن من ثقل اللحظة
إنه ذلك الصوت الذي يقول ليس الآن وغدًا سيكون أفضل
وهكذا يبدأ الأمر بتأجيل صغير ثم يتسع التأجيل حتى يصبح طريقة في التعامل مع الحياة نفسها
يقايض الإنسان راحته الآنية بقلق مؤجل ويمنح اللحظة الحاضرة لراحة قصيرة ثم يستردها منه الغد مضاعفة على هيئة ندم وضغط وتراكم
التسويف بهذا المعنى ليس تأجيلًا للمهمة فحسب بل تأجيل للذات
فالإنسان حين يواجه عملًا يتطلب جهدًا ذهنيًا أو عاطفيًا قد لا يكون خوفه من العمل نفسه بقدر ما يكون خوفه مما قد يكشفه العمل عنه
الخوف من الفشل أو من ألا يكون جيدًا بما يكفي أو من ألا تأتي النتيجة بالصورة التي رسمها في ذهنه
وحين يصبح احتمال الفشل مؤلمًا يبحث العقل عن مهرب أقل كلفة في اللحظة
يفتح الإنسان هاتفه ويتصفح ويشاهد ويرتب أشياء ثانوية وينشغل بما لا يحتاج إلى شجاعة البداية
يشعر براحة مؤقتة لأنه ابتعد عن مصدر القلق لكنه لم يتخلص منه
لقد نقله فقط من الحاضر إلى المستقبل
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في التسويف
المسوّف لا يختار الراحة بل يختار القلق المؤجل
لذلك فإن وقت التسويف ليس وقتًا حرًا بالمعنى الحقيقي
قد يجلس الإنسان دون أن يعمل لكنه لا يستريح
تكون المهمة المؤجلة جالسة معه في الغرفة نفسها تلاحقه في لحظات الصمت وتظهر في الخلفية كلما حاول أن يستمتع بشيء آخر
فلا هو أنجز ولا هو ارتاح
وهكذا يغتال الحاضر دون ضجيج
كل تأجيل متكرر يترك أثرًا آخر أكثر عمقًا
تآكل الثقة بالنفس
حين يعد الإنسان نفسه بأنه سينجز ثم لا يفعل لا تضيع المهمة وحدها
بل تتصدع شيئًا فشيئًا صورة الإنسان عن قدرته على الوفاء بما يقرره
ومع تكرار التجربة يبدأ العقل في بناء قناعة صامتة
أنا لا ألتزم أنا أؤجل أنا لا أستطيع أن أبدأ
ثم تتحول المهمة الصغيرة إلى جبل لا لأن الجبل كبر فعلًا بل لأن الثقة التي كانت تجعل عبوره ممكنًا صغرت!
ومن أكثر ما يفعله التسويف خبثًا أنه لا يسرق الساعات فقط
بل يسرق الطاقة التي كان يمكن أن تستخدم في إنجاز ما نؤجله!
فالمهمة المؤجلة لا تختفي من الوعي
تظل تعمل في الخلفية تذكير ثم مقاومة ثم تأنيب ثم محاولة للهروب ثم عودة إلى التفكير فيها
وقد ينفق الإنسان في مقاومة مهمة بسيطة من الطاقة النفسية أكثر مما كان يحتاجه لإنجازها
ومع الوقت تتشوه علاقتنا بالزمن
بدل أن يكون الزمن مساحة نخلق فيها ونكتشف وننجز يتحول إلى مطارد يقترب موعده النهائي
نعيش تحت ضغط اللحظة الأخيرة فنستبدل جودة العمل بسرعة إنجازه
ونستبدل العمق بالارتجال والإبداع بالنجاة
والأخطر أن الإنسان قد يعتاد هذه الطريقة حتى يظن أن الضغط هو الذي يجعله منتجًا
بينما الحقيقة أن الضغط لم يصنع إنتاجيته بل أجبره على استرداد ما أهدره من قبل

لهذا فإن علاج التسويف لا يبدأ دائمًا من جدول جديد أو تطبيق لتنظيم المهام
قد يبدأ من سؤال أكثر قسوة :
ما الذي أهرب منه حين أؤجل؟
هل أخاف من الفشل؟
هل أخاف ألا يكون عملي كاملًا؟
هل أخشى مواجهة نفسي؟
هل أصبحت الراحة الفورية أسهل عندي من احتمال التعب المؤقت؟
حين نفهم السبب يصبح التعامل مع التسويف أكثر صدقًا
فربما لا نحتاج إلى انتظار الرغبة حتى نبدأ
وربما لا نحتاج إلى أن يكون العمل مثاليًا
يكفي أحيانًا أن نقبل بدايته الناقصة لأن العمل الناقص الذي بدأ اليوم يملك فرصة للنمو
أما العمل المثالي الذي نؤجله فلا يزال مجرد فكرة
والتحرر من التسويف هو في جانب منه إعادة تعريف للكمال
أن نفهم أن الإنجاز لا يحتاج إلى أن يكون كاملًا كي يكون جديرًا بالبداية
وأن البداية الصغيرة ليست استهانة بالمهمة بل انتزاع لأول خيط من يد التأجيل
فالوقت ليس شيئًا نملكه ثم ننفقه كما ننفق المال
الوقت أكثر قسوة من ذلك
لأنه حين يمضي لا يعود إلينا في صورة أخرى
وكل دقيقة نؤجل فيها حياتنا لا تختبئ في خزينة الغد بل تختفي من رصيد العمر

لهذا فإن التسويف في أعمق معانيه ليس سرقة للوقت بل سرقة للإنسان من نفسه
نؤجل القراءة والمشروع والقرار والمصالحة والحلم ثم نتعامل مع الغد وكأنه مستودع لا ينفد
لكن الغد لا يأتي محملًا بوقت إضافي
إنه يأتي محملًا بيوم جديد فقط
وحين ندرك أن الوقت ليس موردًا خارجنا بل جزء من وجودنا
يصبح تأجيل الحياة أكثر من عادة سيئة
يصبح اقتطاعًا هادئًا من أعمارنا
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم
متى سأبدأ؟
بل :
كم من حياتي أريد أن أقضي وأنا أقول غدًا!
فالحياة لا تنتظر أن ننتهي من تأجيلها
إنها تحدث الآن ! .

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى