كتاب الرأي

المستحيل حين يصبح بداية لا نهاية

           ✍🏼سمسمه السعيد_ كاتبة رأي : 

المستحيل ليس مجرد كلمة نستخدمها لوصف الأشياء الصعبة بل هو مفهوم ارتبط في وعي الإنسان بكل ما يتجاوز قدرته الحالية وكل ما يبدو أكبر من إمكاناته وكل حلم يقف على الجانب الآخر من الخوف ولهذا ظل المستحيل عبر التاريخ حاضرا في كل لحظة حاول فيها الإنسان أن يتجاوز حدود المألوف لكنه في الوقت نفسه كان سببا في كثير من التحولات التي غيرت شكل الحياة لأن كل تقدم كبير بدأ في لحظة كان فيها هناك من يعتقد أن الفكرة لن تتحول إلى واقع٠

حين ننظر إلى التاريخ بوعي نجد أن الإنسان لم يتقدم لأنه امتلك كل الإجابات منذ البداية بل لأنه رفض أن يعتبر غياب الإجابة دليلا على استحالة الوصول إليها فكل فكرة جديدة كانت تحتاج إلى سؤال وكل سؤال كان يقود إلى بحث وكل بحث كان يفتح بابا جديدا من المعرفة ولهذا فإن الفرق الحقيقي بين المستحيل والممكن لا يظهر دائما في الفكرة نفسها وإنما قد يظهر في المعرفة والوسائل والظروف التي تحيط بها فما يبدو مستحيلا في زمن معين قد يصبح ممكنا في زمن آخر عندما تتغير الأدوات وتتطور العلوم وتتراكم الخبرات٠

لكن المستحيل لا يصنعه الواقع وحده فالإنسان قادر أيضا على صناعة مستحيله بنفسه عندما يسمح للخوف بأن يسبق التجربة وعندما يجعل الفشل سببا للتراجع وعندما يمنح أحكام الآخرين سلطة أكبر من رغبته في المحاولة وعندما يختار البقاء في منطقة الأمان حتى لو كان يعرف في داخله أن حياته تحتاج إلى تغيير وفي هذه اللحظة يتحول المستحيل من عقبة خارجية إلى حاجز داخلي يصبح أقوى كلما صدقه الإنسان أكثر٠

ولهذا فإن أول مواجهة حقيقية مع المستحيل تبدأ داخل العقل قبل أن تبدأ على أرض الواقع لأن الإنسان الذي يقتنع بأنه عاجز لن يبحث عن الحلول والإنسان الذي يرى كل عقبة دليلا على النهاية سيتوقف عند أول اختبار بينما الإنسان الذي يتعامل مع العقبة باعتبارها سؤالا سيبدأ في تحليلها ومعرفة أسبابها والبحث عن البدائل وهذا لا يعني أن كل هدف يمكن تحقيقه بمجرد الإصرار بل يعني أن الحكم على الأشياء يحتاج إلى معرفة دقيقة لا إلى خوف مسبق٠

فالإرادة مهمة لكنها ليست كل شيء والطموح ضروري لكنه لا يغني عن التخطيط والمعرفة والتجربة والقدرة على التعلم فالإنجاز الحقيقي لا يولد من الحماس وحده وإنما من اجتماع الرؤية الواضحة مع العمل المنظم والقدرة على مراجعة النتائج وتصحيح الأخطاء ولهذا فإن الإنسان الذي يريد أن يحول الصعب إلى ممكن لا يحتاج فقط إلى أن يكون شجاعا بل يحتاج أيضا إلى أن يكون واعيا بحدوده وإمكاناته وأن يعرف متى يستمر ومتى يغير طريقه ومتى يعيد النظر في الفكرة نفسها

وفي هذا السياق يصبح الفشل جزءا من المعرفة وليس دليلا تلقائيا على الاستحالة فالمحاولة التي لم تنجح قد تكشف خطأ في الطريقة أو نقصا في الإمكانات أو سوءا في التوقيت وقد تمنح الإنسان معلومات لم يكن يستطيع الوصول إليها بطريقة أخرى ولذلك فإن الفشل الحقيقي ليس في خسارة تجربة وإنما في تحويل تلك الخسارة إلى حكم نهائي على ٠المستقبل فكم من طريق بدا مغلقا ثم ظهر له مدخل جديد عندما تغيرت طريقة التفكير وكم من فكرة احتاجت إلى إعادة بناء قبل أن تجد طريقها إلى النجاح

لكن القوة الحقيقية لا تعني أن يعيش الإنسان في وهم أن كل شيء ممكن لأن الواقع له قوانينه وحدوده وهناك أهداف لا يمكن تحقيقها وفق المعطيات الحالية وهناك أفكار تحتاج إلى إمكانات غير متوفرة وهناك أحلام قد تكون أكبر من الظروف التي تحيط بها ولذلك فإن التفكير الناضج لا يقوم على إنكار المستحيل ولا على الاستسلام له بل يقوم على التمييز بين المستحيل الحقيقي والصعب والممكن الذي يحتاج إلى وقت والممكن الذي يحتاج إلى معرفة جديدة أو أدوات مختلفة

وهنا تظهر قيمة الإنسان الذي يستطيع أن يطرح الأسئلة الصحيحة لأنه لا يكتفي بأن يقول هل أستطيع بل يسأل ماذا ينقصني وما الذي يمنعني وما الذي يمكن تغييره وهل المشكلة في الهدف أم في الوسيلة وهل هناك طريق آخر لم أجربه بعد فكل سؤال دقيق يفتح احتمالا جديدا وكل محاولة واعية تمنح الإنسان معرفة إضافية وكل معرفة جديدة يمكن أن تغير شكل القرار القادم٠

والمستقبل بطبيعته لا يتوقف عند حدود الماضي لأن العالم يتغير والمعرفة تتوسع والتقنيات تتطور وما نعتبره اليوم أمرا بعيدا قد يصبح غدا جزءا من الواقع ولهذا فإن الحكم على المستقبل باستخدام إمكانات الحاضر وحدها قد يكون خطأ كبيرا لأن الإنسان لا يعرف دائما أين يمكن أن تصل قدرته عندما تتغير الأدوات وتتراكم الخبرات وتظهر طرق جديدة للتعامل مع المشكلات٠

ومع ذلك فإن أعظم خطر لا يكمن في وجود المستحيل بل في استخدامه كذريعة لعدم المحاولة لأن الإنسان قد يخسر فرصة كاملة فقط لأنه خاف من احتمال الفشل وقد يتخلى عن فكرة مهمة لأنه لم يجد من يشجعه وقد يختار طريقا آمنا ثم يكتشف بعد سنوات أن الخسارة الحقيقية لم تكن في محاولة لم تنجح وإنما في محاولة لم تحدث أصلا٠

ولهذا فإن المستحيل يجب ألا يكون حكما نهائيا قبل البحث والفهم والتجربة لأن الإنسان لا يستطيع أن يعرف حدود الممكن فعلا ما لم يختبرها بوعي وما لم يمنح نفسه فرصة للتعلم والتطور وتصحيح الطريق فليس المطلوب أن نؤمن بأن كل حلم قابل للتحقيق وليس المطلوب أن ننكر الواقع وإنما المطلوب أن نمتلك الشجاعة الكافية كي لا نحكم على الأشياء قبل أن نفهمها٠

وفي النهاية قد لا يكون المستحيل جدارا يقف في نهاية الطريق كما نعتقد وربما يكون مجرد نقطة يقف عندها الإنسان ليسأل نفسه هل أتراجع لأنني أخاف أم أبدأ لأنني أريد أن أعرف الحقيقة وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي اللحظة التي يتغير فيها كل شيء لأن الإنسان عندما يتوقف عن النظر إلى المستحيل باعتباره نهاية ويبدأ في النظر إليه باعتباره سؤالا فإنه ينتقل من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل ومن انتظار النتائج إلى صناعة الاحتمالات ومن الخوف من المستقبل إلى المشاركة في تشكيله

المستحيل ليس دائما نهاية الطريق وقد لا يكون أقوى من الإنسان كما يبدو في البداية فقد يكون فقط اختبارا لقدرة الإنسان على أن يفكر أبعد من اللحظة وأن يرى ما وراء العائق وأن يمنح المحاولة حقها وأن يعرف أن أعظم الانتصارات لا تبدأ دائما بإجابة واضحة
بل بالأمل والمثابرة والصبروالعزيمه٠

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى