التعالي وحب الذات.. حين تتحول الثقة إلى غرور

✍️أ. موسى الشهري – كاتب رأي :
ليس كل من يثق بنفسه متعاليًا، وليس كل من يحب ذاته مغرورًا؛ فالثقة بالنفس قيمة نبيلة، وحب الذات بصورة متوازنة يمنح الإنسان القدرة على تقدير نفسه واحترامها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز الإنسان حدود الاعتزاز بالنفس، فيرى نفسه أفضل من الآخرين، ويعتقد أن مكانته أو نجاحه يمنحانه الحق في التقليل من شأنهم أو تجاهل مشاعرهم.
فالتعالي لا يظهر دائمًا في الكلمات، بل قد تكشفه طريقة التعامل، ونبرة الحديث، ونظرة الإنسان لمن حوله، ورفضه الاعتراف بالخطأ، وإصراره على أن يكون دائمًا في موقع الأفضل.
وقد يربط بعض الأشخاص قيمتهم بمكانتهم الاجتماعية أو مناصبهم أو أموالهم أو نجاحاتهم، متناسين أن كل هذه الأمور متغيرة، وأن ما يبقى للإنسان هو أخلاقه وسيرته وأثره في الآخرين.
أما حب الذات في صورته الصحية، فهو أن يعرف الإنسان قدره دون أن ينتقص من قدر غيره، وأن يحافظ على كرامته دون أن يهين الآخرين، وأن يثق بقدراته دون أن يعتقد أنه لا يخطئ.
فالإنسان الراقي لا يحتاج إلى استعراض تفوقه في كل موقف، ولا إلى التقليل من الآخرين ليشعر بقيمته.
والقوة الحقيقية ليست في أن تجعل من حولك يشعرون بأنك أفضل منهم، وإنما في أن تمنحهم احترامهم، وتعرف أن لكل إنسان قيمته ومكانته وتجربته.
وقد يكون أخطر ما في التعالي أن صاحبه لا يراه في نفسه؛ فقد يفسر البعض غروره على أنه ثقة، واستعلاءه على أنه قوة شخصية، وابتعاده عن الناس على أنه رفعة.
بينما الحقيقة أن التواضع لا يقلل من قيمة الإنسان، بل يزيده احترامًا ومكانة في أعين الآخرين.
ومن عرف قدر نفسه، لم يحتج إلى رفعها فوق أقدار الناس؛ لأن الإنسان الواثق لا يحتاج إلى إثبات تفوقه باستمرار، والمتواضع لا يخسر شيئًا عندما يمنح الآخرين قدرهم.
وفي النهاية، تبقى الأخلاق هي المقياس الحقيقي لقيمة الإنسان.
فالمكانة لا تُقاس بعلو الصوت، ولا بكثرة الحديث عن النفس، ولا بما يملكه الإنسان من مال أو منصب، وإنما بالأثر الطيب الذي يتركه في قلوب من حوله، وبقدرته على أن يظل متواضعًا مهما ارتفع شأنه.
كن واثقًا بنفسك، محبًا لذاتك، معتزًا بإنجازاتك؛ ولكن لا تجعل ذلك سببًا في أن ترى الآخرين أقل منك.
فالقيمة الحقيقية ليست أن ترتفع فوق الناس، بل أن ترتفع دون أن تُسقط أحدًا.
للتواصل : [email protected]



