(لا فضيلة في تجنب خطيئة لا تغويك)

✍️ أروى مسلط العتيبي – كاتبة رأي :
وهم الاستعلاء الأخلاقي – هل هي مبادئ أم غياب دوافع
بقلم: أروى بنت مسلط العتيبي
حين نراقب زلات الآخرين وهفواتهم يراودنا أحيانًا شعور خفي بالاطمئنان إلى سلامة موقفنا فنحسب أننا نقف في جهة أكثر نقاء وأن ما يحصننا من السقوط هو صلابة مبادئنا وحدها
لكن ماذا لو كان الأمر أبسط من ذلك ماذا لو أننا لم نختبر بعد بما يكفي فأن تمتنع عن فعل لا تريده أصلًا لا يعني بالضرورة أنك تملك من القوة الأخلاقية ما يفوق غيرك فقد يكون السبب ببساطة أن هذا الطريق لم يغرك يومًا
وأن هذه الخطيئة لم تجد إلى نفسك سبيلًا وأن المعركة التي تحسب أنك انتصرت فيها لم تبدأ أصلًا وهنا يظهر وهم الاستعلاء الأخلاقي أن ننظر إلى من سقط وكأن سقوطه شهادة على ضعف أخلاقه
وننظر إلى سلامتنا وكأنها شهادة على تفوقنا دون أن نسأل أنفسنا السؤال الأكثر صدقًا هل تركنا الخطيئة لأن مبادئنا أقوى منها أم لأننا لم نعرض بعد لما يختبر قوة هذه المبادئ؟
“حين تتشابه النتائج وتختلف المعارك”
قد ترى إنسانًا أمينًا فتظن أن أمانته دليل قوة مطلقة ولا تعرف أنه لم يجد يومًا ما يغريه بالخيانة وقد ترى آخر عفيفًا فتظن أن عفته دليل صلابة استثنائية
ولا تعرف أن ما عرض عليه لم يكن مما يستهويه وقد ترى ثالثًا زاهدًا ولا تعرف أنه لم يملك يومًا ما يمكن أن يخسره وقد ترى متواضعًا ولا تعرف أن الحياة لم تمنحه سلطة يختبر معها تواضعه
الأفعال قد تتشابه في ظاهرها لكن المعارك التي سبقتها قد تكون مختلفة تمامًا فالفضيلة لا تظهر دائمًا في الشيء الذي نتركه بل تظهر حين يكون أمامنا ما نريده ثم نختار ألا نأخذه
هناك حين يصبح للمبدأ ثمن يبدأ الاختبار الحقيقي
“المبادئ التي لم تدخل ميدان الاختبار”
كثير من مبادئنا تبدو راسخة ما دامت الحياة تسير في المساحة التي نعرفها نقول لن أكذب لن أخون لن أظلم لن أبيع مبدئي ثم نظن أن هذه العبارات تكشف حقيقة معدننا
لكن الحياة لا تختبر الإنسان بما يقوله عن نفسه بل بما تضعه أمامه ماذا لو كانت الكذبة هي أقصر طريق لإنقاذ صورتك ماذا لو كان المال الذي ترفضه اليوم هو المال الذي تحتاجه غدًا
ماذا لو أصبحت السلطة في يدك ولم يعد هناك من يستطيع رد ظلمك ماذا لو أصبح الانتقام ممكنًا دون أن يراك أحد ماذا لو جاءت الشهرة بعد سنوات من التجاهل وكان ثمنها أن تتنازل عن شيء كنت تظنه غير قابل للبيع
هناك فقط تتحول المبادئ من كلمات جميلة إلى اختيارات لها ثمن وهناك فقط نعرف إن كانت قيمنا تسكننا حقًا أم أنها لم تجد بعد ما يهددها
“لسنا نعرف أنفسنا كما نظن
الإنسان يتغير حين تتغير ظروفه وتختلف قدرته على الصمود حين تتغير حاجته وقد تكشف لحظة واحدة عن جانب من النفس لم نره طوال سنوات ليس لأن الإنسان شرير في جوهره ولا لأن السقوط قدر لا مفر منه
بل لأن النفس البشرية أعقد من الصورة التي نرسمها عنها قد يقول الإنسان لن أفعلها أبدًا ثم تأتي الحياة بما لم يكن في حسابه وقد يظن أنه يعرف حدوده حتى يجد نفسه أمام موقف يعيد تعريف تلك الحدود
ولهذا فإن التواضع أمام النفس أكثر أمانًا من الثقة المطلقة بها أن تعرف أنك قد تضعف لا يعني أنك ستسقط بل يعني أنك ستظل أكثر حرصًا على تثبيت نفسك
“حين يكون التعاطف أعمق من الإدانة”
حين نرى إنسانًا سقط ليس علينا أن نبرر سقوطه ولا أن نساوي بين الخطأ والصواب لكن ليس علينا أيضًا أن نحول سقوطه إلى منصة نقف فوقها لنعلن تفوقنا
يمكننا أن نقول هذا خطأ دون أن نقول أنا أفضل منه ويمكننا أن نرفض الفعل دون أن ندعي أننا نعرف كل ما صنع صاحبه فالإنسان قد يحمل في داخله معارك كاملة لا تظهر على وجهه
نرى لحظة سقوطه ولا نرى السنوات التي سبقتها نرى النتيجة ولا نرى الخوف والحاجة والخذلان والظروف التي أحاطت بها وهذا لا يعفيه من مسؤوليته لكنه يذكرنا بحدود معرفتنا
فلكل إنسان باب قد يكون موضع ضعفه وقد يكون الباب الذي سقط منه اليوم هو الباب الذي لم نقترب نحن منه أصلًا ولهذا ربما كان الأجمل حين نرى عثرة غيرنا أن نقول الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به
وأسأل الله ألا يبتليني بما لا أقدر عليه لا أن نقول الحمد لله أنني أفضل منه فالنجاة ليست دائمًا دليل قوة بعض النجاة ستر وبعض الأبواب التي لم تفتح لنا كانت رحمة
وبعض الفتن التي مرت من جوارنا ولم تتوقف عند قلوبنا كانت عافية لا نعرف قيمتها
“الفضيلة حين يكون لها ثمن”
لذلك لا ينبغي أن نفخر كثيرًا بخطيئة لم نقترفها قبل أن نسأل أنفسنا إن كانت الحياة قد وضعتنا أصلًا أمام فرصة حقيقية لاقترافها فالفضيلة ليست أن تقول أنا لا أفعل هذا
بل أن تقف يومًا أمام ما تستطيع فعله والطريق مفتوح أمامك ولا يراك أحد والثمن مغرٍ ثم تختار ألا تفعل هناك يصبح الاختيار أخلاقيًا حين يكون الصواب مكلفًا والخطأ أسهل والطريق الآخر أقصر
ثم تختار ما تؤمن أنه حق هناك تتضح حقيقة المبدأ فالمبدأ الذي لا يدفع صاحبه ثمنًا لم يختبر بعد والفضيلة التي لم تواجه ما يناقضها قد تكون مجرد توافق بين ما نفعله وما اعتدناه
أما حين يختلف ما نريده عما نؤمن به ثم نختار ما نؤمن به فهنا فقط تصبح الأخلاق موقفًا لا شعارًا!
“السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا”
ربما لا ينبغي أن نسأل فقط كم خطيئة تجنبت بل أن نسأل ما الذي لم تختبرني الحياة به بعد وأي باب لم يُفتح أمامي وأي موقف لم أضطر فيه إلى الاختيار بين ما أريد وما أؤمن به
فقد لا يكون الفرق بيننا وبين من سقط كبيرًا كما نتخيل ربما اختلفت الأبواب فقط
“ولهذا لا تجعل استقامتك سببًا للاستعلاء ولا تجعل عافيتك منصة للحكم على غير
احمد الله عليها واحرسها واسأله الثبات فأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بمبادئه أن يحولها من وسيلة لإصلاح نفسه إلى وسيلة لإدانة الآخرين .
والحقيقة أنه لا قيمة كبيرة لثوب أبيض لم يقترب من الغبار القيمة أن يمر الإنسان في طرق الحياة وتعرض له الفتن وتضيق أمامه المسالك وتغلق الأبواب ثم يظل متمسكًا بما يؤمن أنه حق
فالسؤال الحقيقي ليس هل أنا شخص صالح لأنني لم أفعل ما فعله غيري بل هل ستبقى مبادئي كما هي حين يصبح التخلي عنها هو الطريق الأسهل
وربما تكون الإجابة الأصدق التي ينبغي أن نحملها معنا دائمًا اللهم لا تجعل سلامتي من فتنة سببًا لاستعلائي على من ابتلي بها ولا تجعل ثباتي اليوم غرورًا بنفسي وثبتني إذا جاء يوم الاختبار
فالثبات ليس ملكًا نضمنه لأنفسنا بل نعمة نطلبها والنجاة ليست دائمًا دليل قوة قد تكون سترًا وقد تكون الرحمة في أن بعض الأبواب لم تفتح وبعض الفرص لم تأتِ
وبعض الفتن مرت من جوارنا دون أن تتوقف عند قلوبنا فالفضيلة ليست في أن تقول أنا لا أفعل هذا الفضيلة أن تقول لقد أردت وكان بإمكاني وكان الطريق مفتوحًا ولم يكن هناك من يراني
ومع ذلك اخترت ألا أفعل هنا فقط يصبح الاختيار أخلاقيًا حين تتعارض الرغبة مع المبدأ وحين يصبح الخطأ مغريًا وحين يكون الصواب مكلفًا ثم يبقى الإنسان وفيًا لما يؤمن به
هناك تتضح حقيقة الإنسان أما أن نتجنب خطيئة لا تغوينا فلا ينبغي أن نحولها إلى وسام على صدورنا فربما ليست فضيلة انتصرنا بها بل معركة لم نخضها أصلًا.
للتواصل: [email protected]



