كتاب الرأي

الوجه الآخر للأحكام

✍️ صالح بن سعيد الحمداني ـ كاتب رأي :

كان هذا الموضوع ثمرةَ حوارٍ وجلسةٍ نقاشية أثارت في النفس دافع البحث والاطلاع وفتحت باب التساؤل والطرح حول جملةٍ من القضايا المتصلة بعنوانه، ومن هذا المنطلق وبدافعٍ من التردد المحفوف بالرغبة، سطّرتُ بعض النقاط التي رأيت أن تكون ـ وإن كانت متواضعة ـ إسهامًا في بحرٍ زاخرٍ من الطروحات والأفكار، ولعلها تفتح مجالًا لغيري أن يعرّج عليها أو يستكملها من زوايا أخرى، وإذ أُقِرّ يقينًا بأن هذا الموضوع قد تناوله من سبقني بعمقٍ أوسع ورؤيةٍ أرسخ فإن رغبتي كانت أن يكون لهذا القلم أثرٌ ولو يسيرًا في سياق النقاش الدائر حوله، وما يَرِد في هذا المقال لا يعدو كونه وجهة نظر شخصية، تحتمل الصواب والخطأ، وتبقى في نهاية المطاف اجتهادًا فرديًا لا أكثر.

ففي العلاقات الإنسانية لا نلتقي بالآخرين كما هم في حقيقتهم الخالصة فنحن نراهم كما نحن في دواخلنا العميقة، لأن نحن لا نرى بعيونٍ محايدة ولا نحكم بعقولٍ خالية من الأثر، ولا نشعر بقلوبٍ لم تُمسّها التجارب، العين التي تراقب والعقل الذي يفسّر، والقلب الذي يصدر الأحكام؛ جميعها محمّلة بتاريخنا الشخصي، وقيمنا المكتسبة، وخيباتنا بل وحتى عيوبنا التي لم نتصالح معها بعد، ومن هذا التداخل المعقّد تنشأ ظاهرةٌ إنسانيةٌ قديمةٌ ومتجددة، قرأتُ عنها كثيرًا تُعرَف بــ “إسقاط الطباع”.

كم هو سهل أن نطلق الأحكام على الآخرين وكأننا نملك مفاتيح نفوسهم! هذا متكبّر، وذاك مخادع، وثالث متطفّل، وهذا كذّاب، وذاك غشّاش، وآخر يسرق الأحلام أو يتغذّى على جهد غيره، غير أن السؤال الأعمق يظل حاضرًا بإلحاح “هل نحن نرى الحقيقة كما هي أم إننا نرى انعكاس ذواتنا على وجوه الآخرين؟” وهل أحكامنا نابعة من وعيٍ نزيه، أم من تراكمات داخلية لم نجرؤ يومًا على مواجهتها؟

الإنسان في كثير من الأحيان يفسّر سلوك من حوله عبر مرآة نفسه، فيقرأ نواياهم بعين ما ألفه هو، لا بما يقصدونه هم، فمن اعتاد المراوغة، رأى الصدق سذاجة، ومن عاش الخداع، شكّ في كل وضوح، ومن أثقلته النوايا الملتوية، ظنّ أن الجميع يحملون الخبث ذاته، وهكذا يصبح الحكم على الآخرين عملية إسقاط لا شعورية، يُلبس فيها الإنسان غيره ثوب عيوبه الخاصة ثم يلومه على مقاسها.

وحين يتكرر النقد على لسان شخص بعينه فليس بالضرورة أن يكون دافعه الإصلاح أو الحرص على الصواب، كثيرًا ما يكون النقد المتواصل محاولة غير واعية للهروب من عيبٍ داخلي، فالعيب حين يعجز صاحبه عن الاعتراف به أو معالجته، يتحوّل إلى عبء نفسي، لا يخفّ إلا إذا رآه في غيره، عندها يصبح النقد قناعًا، والإدانة مهربًا، والتطفّل وسيلة لإشغال النفس عن محاسبتها، فينشغل المرء بتفتيش حياة الآخرين، لأنه يخشى مواجهة فراغه أو تناقضه أو ضعفه.

والتطفّل في جوهره ليس دائمًا فضولًا بريئًا أو حبًا للاستطلاع، فقد يكون رغبة خفيّة في السيطرة، أو محاولة لتعويض شعور بالنقص، أو حتى تعبيرًا عن حسدٍ دفين، فمَن يقتحم خصوصيات الناس أو يوزّع الأحكام دون دعوة، غالبًا ما يبحث عن قيمة مفقودة في ذاته، يراقب تفاصيل غيره بدقة، لأن النظر إلى الداخل مؤلم، أو مؤجّل، أو مخيف، وقد يكون القلب ممتلئًا بالحقد، واللسان يلهج بذكر الخير دون أن تشهد الجوارح عليه فعلًا.

غير أن الوعي بهذه الحقيقة يفتح بابًا واسعًا للنضج الإنساني فكلما وجدنا أنفسنا نُسارع إلى الحكم، كان الأجدر أن نتوقّف قليلًا ونسأل “لماذا أثارني هذا السلوك تحديدًا؟ ما الذي لمس في داخلي؟، لعلّ الجواب لا يكون إدانة للآخر، بقدر ما سيكون بداية تصالح مع الذات، فمعرفة النفس مهما كانت موجعة، أكرم من جلد الآخرين بلا حق.

إن حسن الظن بالناس سموّ أخلاقي ورقيّ فكري وليس سذاجة، أن نتعامل بودّ ومحبة، واحترام، وأن نمنح الآخرين مساحة آمنة من النية الطيبة، هو طهارة للنفس قبل أن يكون جمالًا في السلوك. وسوء الظن، على العكس، يلوّث القلب، ويقسو بالفكر، ويحوّل العلاقات إلى ساحات اتهام لا ساحات إنسانية، وكم من أشخاص سقطوا من أعين الناس، فلم يبقَ لهم إلا مجاملة باردة لا أثر لها، لأن سلوكهم سبقهم وفضح حقيقتهم، وكشف زيف علاقتهم وسواد قلوبهم؛ فمثل هؤلاء أولى أن يقفوا مع أنفسهم وقفةَ صدقٍ قبل أن يفتّشوا في أخطاء غيرهم.

إن إنصاف الناس يبدأ من إنصاف النفس، ومن تعلّم أن يرى عيوبه بصدق، خفّ حكمه على غيره، واتّسع صدره للاختلاف، وتحرّر من وهم الكمال، فكل ما نراه في الآخرين لا يمثل حقيقة عنهم بل كثيرٌ منه حكايةٌ عنا نحن، تُروى بصمت وتُقرأ في مرايا العلاقات.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى