الاخبار الفنية والثقافية

ساقية فنون أبها تستعيد ذاكرة «الطوبجية».. والحميد يوثق تاريخ الحي وتحولاته

عنوان – أبها – إبراهيم الروسي :

عاود منتدى ساقية الفنون بأبها نشاطه المنبري المتنوع، من خلال لقاء ثقافي وتاريخي مكاني استعاد فيه ملامح أحد أحياء مدينة أبها القديمة، وتوقف عند مسمياته ومزارعه وحياته الاجتماعية وتحولاته العمرانية، وذلك بالتعاون مع أدبي أبها، ضمن سلسلة اللقاءات الهادفة إلى التعريف بأحياء المدينة واستحضار ذاكرتها المكانية والاجتماعية.

وحلّ الأستاذ الدكتور أحمد بن محمد الحميد ضيفًا على اللقاء، الذي تناول تاريخ حي الطوبجية قديمًا، فيما أدار الحوار الدكتور أحمد بن عبدالله التيهاني، الذي استهل اللقاء بالتعريف بالضيف، مشيرًا إلى تجربته الأدبية والعلمية، ونشأته في بيئة أدبية أسهمت في تنمية موهبته اللغوية والأدبية، إلى جانب تخصصه العلمي في السنة وعلومها، وما حققه فيه من مكانة علمية، وتوليه عمادة كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الملك خالد.

«توبجي».. مدفعي باللغة التركية

واستهل الدكتور الحميد حديثه بتطواف سردي استعاد من خلاله تفاصيل يوم من أيام حي الطوبجية في مطلع التسعينيات الهجرية، الموافق سبعينيات القرن الميلادي الماضي، معتبرًا أن وجود الحي يمثل إحدى العلامات المهمة في انتقال مدينة أبها من طبيعتها الريفية إلى مدينة حديثة آخذة في النمو والنهضة.

وتوقف المحاضر عند أصل تسمية الحي، موضحًا أنها تعود – بحسب ما عرضه – إلى الكلمة التركية «Topçu» (توبجي)، وتعني «مدفعي»، في إشارة إلى الثكنة المدفعية التي أُقيمت في الموقع خلال فترة الحكم العثماني لمدينة أبها، في عهد محيي الدين باشا، خلال المدة بين 1332هـ و1337هـ.

وأشار إلى أن الحي تغيّر اسمه لاحقًا إلى «العزيزية»، مبينًا أن موقعه عبارة عن حز جبلي يمتد من حي القرى شمالًا حتى يشرف على وادي الخشع جنوبًا، ويطل من جهته الغربية على حي اليمانية، فيما كانت تنتشر أسفل الجبل البساتين والمزارع، متصلة بالموقع المحيط بقصر شدا القديم.

وبيّن الحميد أن مساحة الحي تبلغ نحو 129,300 متر مربع، وأنه يُعد من الأحياء الحديثة نسبيًا في أبها، إذ تعود بدايات البناء والاستيطان فيه إلى أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الهجري الماضي، مستشهدًا بعدد من الشواهد والصور والمقالات الصحفية التي عاصرت تلك المرحلة.

من الحي الريفي إلى ملامح المدينة الحديثة

وتناول المحاضر مراحل تخطيط الحي والتغيرات العمرانية التي شهدها، مستعرضًا أبرز المعالم الحكومية والإدارية التي ارتبطت به، وما طرأ على بنيته العمرانية مع اتساع مدينة أبها وتطورها.

وانتقل الحميد إلى جانب آخر من ذاكرة الحي، مستعيدًا ذكرياته مع مكتبة حسنون، التي وصفها بأنها كانت نقطة مضيئة في حياته، ولا تزال حاضرة في ذاكرته وأحلامه، مؤكدًا أثرها في تشكيل ثقافته وثقافة أبناء جيله.

وأوضح أن المكتبة أتاحت له ولجيله الاطلاع على عالم الروايات العالمية، التي كانت تصدر في نسخ مصورة ومختصرة ومترجمة من لبنان، والتعرف على كبار الروائيين العالميين وروائع أعمالهم، إلى جانب قصص الأطفال والمجلات التي كانت تقدم بلغة عربية ميسرة، مؤكدًا أن المكتبة كانت ذات تأثير واضح في المثقفين الذين كانوا يرتادونها ويتابعون جديد الصحف والمجلات.

كما استعاد عددًا من الذكريات المرتبطة بمنزله وزائريه، إلى جانب التحولات الاجتماعية والتقنية التي شهدتها البيوت آنذاك، ومن أبرزها دخول الهاتف الآلي إلى المنازل، وما صاحبه من تغير في نمط الحياة والتواصل الاجتماعي.

الصور والوثائق تستحضر ذاكرة أبها

واعتمد المحاضر في عرضه على مجموعة من الصور القديمة النادرة والجداول والإحصاءات، التي أسهمت في تقديم صورة أكثر وضوحًا عن تاريخ الحي وتطوره العمراني والاجتماعي، وأضفت على اللقاء بعدًا بصريًا ووثائقيًا عكس أهمية توثيق ذاكرة المكان.

وشهد اللقاء حضورًا مميزًا وتفاعلًا لافتًا من الحضور، تخللته عدد من المداخلات التي أثرت النقاش.

وأوضح المهندس صالح قدح أن التخطيط السابق للحي كان مناسبًا للمرحلة الزمنية التي أنشئ فيها، في ظل الإمكانات المتاحة آنذاك وغياب إدارات متخصصة في تخطيط المدن والمشروعات، مشيرًا إلى أن البلديات كانت في تلك الفترة تتبع وزارة الداخلية.

من جانبه، أشار المهندس علي عسيري، رئيس بلدية أبها سابقًا، إلى أن مشروع سفلتة الحي كان من أوائل المشروعات التي نفذت فيه، موضحًا مشاركته في أعمال المشروع خلال أواسط التسعينيات الهجرية.

فيما لفت الأستاذ إبراهيم نيازي إلى أهمية الرواية الأدبية في رصد الواقع وتوثيق التاريخ الاجتماعي، وما يمكن أن تقدمه الذاكرة الشخصية من تفاصيل تسهم في قراءة تاريخ المدن وتحولاتها.

شهادة تقدير وختام اللقاء

واختُتمت الجلسة بتقديم شهادة تقدير للدكتور أحمد بن محمد الحميد، تقديرًا لمشاركته وإثرائه اللقاء بالمعلومات والشهادات والصور التي استحضرت جانبًا مهمًا من ذاكرة أبها.

من جهته، قدّم المحاضر شكره وتقديره لـساقية الفنون والقائم عليها الفنان عبدالله شاهر، مثمنًا جهوده في خدمة ذاكرة أبها وتوثيق ملامحها الثقافية والاجتماعية، كما أشاد بدور أدبي أبها والقائمين عليه في دعم مثل هذه اللقاءات التي تعيد قراءة تاريخ المدينة من خلال المكان والإنسان والذاكرة.

ويأتي هذا اللقاء امتدادًا للجهود الثقافية الرامية إلى حفظ الذاكرة المكانية لأحياء أبها وتوثيق تاريخها الاجتماعي والعمراني، بما يسهم في إبراز التحولات التي شهدتها المدينة، وربط الأجيال الجديدة بماضيها وتفاصيل حياتها التي شكّلت جانبًا مهمًا من هويتها الثقافية.

إبراهيم أحمد الروسي

مدير مكتب الصحيفة بمنطقة عسير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى