كتاب الرأي

عزف الرمل ​من ملفات المحقق سمير

      ✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :

​كانت الساعة تتجه نحو الثالثة فجرًا، وصوت قطرات المطر يطرق زجاج شباك مكتب المحقق (سمير)، بينما كان يعيد ترتيب أوراق قضية غريبة وردت من أطراف المدينة.
​المكان هذه المرة كان برج الساعات القديم المهجور عند ساحة السيدة. لم تكن هناك جريمة قتل بالمعنى المباشر، لكن الجريمة كانت أشد قسوة.
​في أعلى البرج، وتحت التروس الضخمة التي توقفت عن الدوران منذ عقود، كان يجلس الرسام الشهير (يونس)، لكنه كان فاقدًا للوعي تمامًا، وعيناه مغلقتان بضمادة من القماش الأبيض الناعم، ويداه الملطختان بالألوان مثبتتان بشريط حريري أحمر يصل إلى عقارب الساعة الكبرى، وكأنه أضحى جزءًا من آلية الوقت المتوقفة.
​اقترب المحقق سمير بخطوات هادئة، وصوت غليونه يرسل دخانًا رماديًا خفيفًا بين التروس. على لوحة الرسم الممتدة أمام الفنان، لم تكن هناك صورة شمس أو طبيعة، بل رسم حقيقي لدماغ بشري تتساقط منه الرمال، وعبارة واحدة مكتوبة بحبر أسود لامع:
​«الألوان كذبة تسرق العين، والوقت هو الحقيقة الوحيدة. لقد أخذتُ منه رؤيته، والدور القادم على ذاكرتك.»
​على حافة اللوحة، كانت تقبع قطعة شطرنج واحدة: “الفارس الأسود”، وتفوح منها رائحة غريبة… رائحة “القطران القديم الممزوج بعطر اللافندر المجفف”.
​أدرك المحقق سمير على الفور أنه أمام خصم لا يكتفي بأذية الأجساد، بل يستهدف جوهر الإبداع والوعي لدى ضحاياه، معتمدًا على مخدر نادر يمحو الإدراك مؤقتًا ويترك الضحية سجينة الفراغ.
​قاد الخيوط الحريرية والعطر النادر المحقق سمير إلى أزقة سوق العطارين القديم، وتحديدًا إلى صانع عطور ومواد كيميائية متقاعد يُدعى (حليم). وتحت نظرات المحقق سمير الحادة وهيبته التي لا تُقاوم، اعترف حليم بصوت خفيض وهو يرتجف:
— “هناك شخص يُدعى (سيد الوقت)… يأتي مع غسق كل ليلة، يشتري اللافندر النقي وقطران الساعات القديمة، ويهمس دائمًا بأن العالم غارق في الوهم، وأنه أتى ليعيد الناس إلى الحقيقة!”
​كلما تقدم المحقق سمير خطوة، كان “سيد الوقت” يترك له إشارة تذكره بأنه متواجد في الحواشي.
​في اليوم التالي، أثناء عودة المحقق سمير إلى مكتبه، وجد على مكتبه صندوقًا خشبيًا صغيرًا مغلقًا بقفل محفور عليه شكل عين. عند فتحه، وجد بداخلها بقايا شمع أسود محترق، وتحتها ورقة تحمل إحداثيات الموقع القادم… وكانت الإحداثيات تشير إلى غرفة الأرشيف الخاصة بالمحقق سمير نفسه.
​دخل سمير الأرشيف، وساد الصمت المكان. على الطاولة الرئيسية بين القضايا القديمة، كانت تتوسط قطعة الشطرنج ذاتها: “الفارس الأسود”، وفجأة بدأ جهاز التسجيل الصوتي القديم على الراديتر بالعمل تلقائيًا، يبث مقطعًا بصوت سمير وهو يحلل إحدى القضايا، لكن تم دمج الكلمات لتبدو كالتالي:
«الوقت ينفد يا سمير… والذاكرة ستصبح رمادًا.»
​لم ينبض قلب المحقق سمير بخوف، ولم يتحرك من موقعه بسرعة. بل أخرج غليونه، وأعاد إشعاله، وابتسم ابتسامة واثقة نحو الزاوية المظلمة خلف أرفف القضايا، وقال بصوت ثابت:
— “الذاكرة لا تُسرق بالساعات الرملية يا سيد الوقت… والوقت الذي تحسبه لنفسك، هو مجرد عد تنازلي لسقوطك.”
​سحب سمير مفكرته الجلدية، وكتب بخط عريض:
​«قضية عزف الرمل؛ المجرم يعتقد أنه يتحكم بعقارب الساعة، لكنه نسي أن المحقق هو من يحدد لحظة النهاية.»
​أغلق المفكرة بهدوء، وهو يعلم أن المواجهة القادمة لن تكون مجرد تتبع للأدلة، بل معركة ذكاء وسيطرة في أعماق الظلال . 

                      ” انتهت” 

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى