كتاب الرأي

ظُهُورُ الْقَمَرِ قَبْلَ اكْتِمَالِهِ

     ✍️نجد الثبيتـي–كاتبة سعودية :

يَتَسَلَّلُ الْقَمَرُ إِلَى اللَّيْلِ كَخُطْوَةِ نُورٍ خَجُولَةٍ، وَيَطْلُعُ نِصْفُهُ كَحُلْمٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، فَيَمْنَحُ الْعَتْمَةَ بَصِيرَةً رَقِيقَةً، وَيُوقِظُ فِي الْقَلْبِ يَقِينًا بِأَنَّ الْجَمَالَ لَا يُولَدُ كَامِلًا، بَلْ يَتَكَوَّنُ عَلَى مَهَلٍ، كَمَا يَتَنَفَّسُ النُّورُ قَبْلَ أَنْ يَعُمَّ الْأُفُقَ.

وَلَيْسَ كُلُّ هِلَالٍ يَجِدُ مَنْ يَشْهَدُ بَدْرَهُ، وَلَا كُلُّ بَدْرٍ يَحْمِلُ الدَّهْشَةَ. فَكَمْ مِنْ هِلَالٍ أَيْقَظَ فِي الْقُلُوبِ رَجَاءً، وَكَمْ مِنْ بَدْرٍ مَرَّ مُكْتَمِلًا، فَلَمْ يَتْرُكْ سِوَى أُلْفَةٍ اعْتَادَتْهَا الْعُيُونُ.

أَيُّهَا الْقَمَرُ… تَنْهَضُ نُورًا بَعْدَ نُورٍ، وَكَأَنَّكَ تُخْبِرُ الْكَوْنَ أَنَّ الِاكْتِمَالَ لَيْسَ لَحْظَةً تُدْرَكُ، بَلْ رِحْلَةٌ تُعَاشُ، يَكْتُبُهَا الزَّمَنُ بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ، وَيُهَذِّبُهَا الصَّبْرُ حَتَّى تَبْلُغَ تَمَامَهَا.

فَمَا ضَرَّ الْهِلَالَ أَلَّا يَبْلُغَ الْبَدْرَ بَعْدُ؛ فَفِي انْحِنَائِهِ وَعْدٌ، وَفِي سُكُونِهِ يَقِينٌ، وَفِي تَدَرُّجِهِ حِكَايَةُ نُورٍ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْعَظِيمَةَ لَا تُولَدُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ تَنْمُو فِي هُدُوءٍ حَتَّى تَكْتَمِلَ.

وَهَكَذَا الْإِنْسَانُ… قَدْ يَظْهَرُ قَبْلَ اكْتِمَالِهِ، وَقَدْ يَتَعَثَّرُ وَهُوَ يَبْنِي ذَاتَهُ، لَكِنَّ الصَّادِقَ فِي سَيْرِهِ لَا يَفْقِدُ نُورَهُ، بَلْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْوُصُولُ أَوْ طَالَ انْتِظَارُ الْبَدْرِ.

فَلْيَكُنْ حُضُورُكَ كَالْهِلَالِ؛ يَعِدُ وَلَا يَدَّعِي، وَيُبَشِّرُ وَلَا يَسْتَعْجِلُ. فَلَيْسَ كُلُّ مَا لَمْ يَكْتَمِلْ نَاقِصًا، وَلَا كُلُّ بَدْرٍ أَجْمَلُ مِنْ هِلَالٍ يَحْمِلُ فِي انْحِنَائِهِ بَشَارَةَ الضِّيَاءِ.

وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ الْقَمَرُ أَنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ فِي لَحْظَةِ الِاكْتِمَالِ، بَلْ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِ؛ فَالْبِدَايَاتُ الصَّادِقَةُ تَمْلِكُ مِنَ الْجَمَالِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرَى، وَمِنَ الصِّدْقِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤْمَنَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ تَمَامَهَا.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى